الاثنين، 17 أبريل 2017

شكرا للساقطة - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

غدا زفافها ومازالت منشغلة بشراء بعض الأشياء. حتى أختها رفضت أن تذهب معها بحجة أنها ذهبت لتتسلم الفستان الذي سترتديه في الحفل.

إنها لا تشعر بالفرح أو السعادة كأي عروس، فهي ببساطة لا تحب العريس ولم تختره بل اختاره والدها لأنه ثري وصاحب شركة ومن عائلة معروفة، وأختها الكبيرة كم ضغطت عليها لتقبل به وأقنعتها بأن هذه الزيجة فرصة لن تعوض، وأنها هي نفسها كانت تتمنى أن تتزوج برجل مثله.

وللأسف في النهاية رضخت لرأيهم جميعًا خاصة بعد أن أصر والدها على رفض حبيبها الذي سبق وتقدم لها أكثر من مرة. رفضه والدها لأنه ليس في مستوى العريس المنتظر طبعا ولن يوفر لها حياة الرفاهية التي تمناها لها والدها.

اكتشفت وهي لازالت تتسوق أن المال الذي معها أوشك على النفاد، ولا وقت لديها للعودة إلى المنزل مرة أخرى. كانت بالقرب من مقر عمل خطيبها، فقررت أن تمر عليه وتأخذ منه بعض النقود، ولم لا؟ فكلها ساعات قلائل وسيصبح زوجها. لتجرب قليلاً أن تغير من شخصيتها وتتعلم الاستغلالية بعض الشيء، فطالما لا يوجد حب فعلى الأقل تستمع بالمال.

هكذا خاطبت نفسها وكأنها تريد أن تتقمص دور فتاة أخرى. فتاة مادية تحاول أن تبحث عن سعادتها في المال بدلا من الحب المفقود.

إن هذه الشخصية في الواقع ليست بغريبة عليها، فهي قريبة من شخصية أختها التي تستغل زوجها إلى أقصى درجة رغم أن مستواه المادي متوسط وليس ثريًا، فكم كانت ترى الحسد في عيون أختها منذ أن خُطبت للعريس الثري، وخاصة كلما أتى لها بهدية ثمينة.

دخلت الشركة وقابلتها السكرتيرة بابتسامة مضطربة
- أهلا آنسة ياسمين .. دقيقة سأبلغ الباشمهندس بحضورك.
- لا داعي .. سأجعلها مفاجأة.
- آنسة .. آنسة .. انتظري من فضلك .. من فضلك لحظة.

ولم تهتم ياسمين بما قالته السكرتيرة وفتحت باب غرفته مباشرة لتفاجأ بالصاعقة. لترى أختها الكبيرة المتزوجة المحترمة بين أحضانه.. نعم بين أحضان خطيبها.

شخصت عيناها وشعرت بالدم يغلي في عروقها وركضت مسرعة نحو الباب، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تتصل بعمرو حبيبها السابق  وتطلب منه أن يقابلها فورا.

فوجيء عمرو طبعا بمكالمتها، فقد كان يعلم بموعد زفافها، وقرر أن يطوي صفحة الماضي ويسدل الستار على قصة حبهما، لكنه فوجيء بأنها تطلبه قبل زفافها بيوم وتطلب مقابلته فورًا.

أدرك طبعًا أن في الأمر شيء غريب ومصيري. أحس أن الظروف قد تتغير لصالحه فجأة، وبعد أن قابلته وقصت عليه ما حدث كانت المفاجأة حين طلبت منه أن يأتي غدَا إلى الزفاف ويتزوجها.

بهت عمرو من جرأتها، وطالبها بعدم التسرع كرد فعل للموقف الرهيب الذي مر بها، لكنها أكدت له أنها طالما كانت رغبتها أن تتزوجه هو لا أي شخص آخر، وأكدت له أنها ستقنع والدها دون أن تفضح الأمر خوفًا على زوج أختها المسكين المخدوع، خوفًا عليه من أن يرتكب جريمة تودي به إلى السجن إذا قتل الساقطة أختها، وتعيش ابنتها دون أم أو أب.

مرت دقائق قليلة وهو يفكر في كلامها في ذهول وفرحة في ذات الوقت، ثم رن هاتفها.. إنه الخائن.. استجمعت قواها وردت عليه:

- اطمئن أيها الخائن الجبان لن أفضحك أو أفضح عشيقتك، فلا ذنب لزوجها وابنتها، ولا طائل لأبي وأمي على تحمل الفضيحة., اسمع أيها الحقير.. اسمع كلامي جيدًا ونفذه بالحرف .. لا أريد أن أراك بعد اليوم .. أو أسمع عنك .. وإلا سأفضحك أنت وساقطتك ولن يهمني حينها أي شيء.. إياك أن تأتي غدًا إلى الزفاف أنت أو أي فرد من عائلتك المغرورة ثقلية الظل .. سأتزوج غدًا من حبيبي في القاعة التي حجزتها على حسابك.. وسأقضي شهر العسل في الأماكن التي حجزتها أيضا على حسابك.. وسأحتفظ بشبكتي الثمينة التي تجاوز ثمنها الخمسين ألف كتعويض بسيط لي عن خستك ونذالتك.. فقط سأمحو اسمك من على خاتم الزواج وأحفر اسم حبيبي .. وبالنسبة للأثاث الغالي الذي أحضرته لي سأخذه طبعا فهو من حقي ومكتوب به قائمة منقولات.. وكذلك ال 100 ألف جنيه التي وضعتها في حسابي البنكي كهدية زواج لتتباهى أمام أصدقائك وأقرانك.. حتى إذا هاتفك والدي وطلب منك معرفة سبب عدم زواجك بي، فعليك أن تقول له أنك غيرت رأيك وحسب، وستترك لي كل ما سبق.. ثم تغلق الهاتف .. لقد انتهيت.

مرت نصف دقيقة حتى نطق في صوت مختنق ضعيف ذليل وقال:

- موافق على كل ما قلتي.. شكرا على كرمك.

ثم أنهى المكالمة.

قبل الزفاف بساعات قليلة أخبرت والدها بأن العريس غير رأيه وتركها وأنها قررت إنقاذا للموقف أن تتزوج من حبيبها.

ثار والدها في بداية الأمر وجن جنونه، وأخذ يسب العريس النذل الذي هرب يوم زفافه، وهاتفه ليوبخه، وفعلا قال لوالدها ما اتفقا عليه بالحرف.

رضخ والدها للأمر الواقع ووافق على زواجها من حبيبها، بل وطلب منها أن تسامحه لأنه رفضه من قبل وأجبرها أن توافق على ذاك النذل.

أما أختها الساقطة، فقد ادعت المرض الشديد حتى لا تحضر الزفاف، وشعرت هي بسعادة لم تعرفها من قبل؛ فقد تزوجت من حبيبها وتخلصت من الخائن، أما أختها فتقريبًا انتهت العلاقة بينهما إلى الأبد، ولم تعدو أن تكون مجرد علاقة شكلية أمام الناس للمجاملات وفي مناسبات الزواج والعزاء فقط.

رغم ذلك كانت تردد بينها وبين نفسها دائما عبارة (شكرًا للساقطة) وهي تبتسم ابتسامة سخرية.



الأربعاء، 11 يناير 2017

إنها لا ترى الرجال - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

إنني لا أرى غيرك، وماعداك كلهم أشباح سوداء كئيبة. أفر حين أراهم وأركض بكل قوتي بعيدًا عنهم، هل أصابتني لوثة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية اقتحمت أعماقي رغمًا عني لتمنعني أن أكون لأي رجل آخر؟ وماذا عليَ أن أفعل إذن، إنهم لا يريدونك، ويصرون على أن أكون لغيرك، وكلما حاولوا أن يقحموا أي آخر في حياتي تجلت لدي الحالة الغريبة، ولا أرى سوى شبحًا أسود، هل أتزوج شبحًا لأرضيهم؟ كيف أقنعهم أن ما يحدث لا حيلة لي فيه؟، إن والدي يظن أنني أدعي تلك الحالة كي أهرب من الزواج، ومهما ظللت أبكي أمامه وأحاول أن أشرح له أن كل ما يحدث هو رغمًا عني، إلا أن الأمر لا يجدي معه، ينهرني .. يسبني .. وأحيانًا يضربني، ولكن دون جدوى.

أنا لست ابنة عاق كي أتزوجك رغما عن أبي، ولست بلا مشاعر أو قلب كي أتزوج رجلاً آخر لا أحبه، بل أراه شبحًا أسود. أنا لا أدري ماذا في وسعي أن أفعل، ولن أطلب منك الانتظار، ربما تنتظر بقية حياتك دون جدوى.

سافر إذا أردت .. تزوج إذا أردت .. أما أنا فلن أتزوج غيرك أبدًا حتى لو لم أتزوج أبدًا.. لا تنتظرني .. لكنني سأنتظرك .. سأنتظر حدوث معجزة إلهية تجمعنا مرة أخرى .. كن مطمئنًا فكل الرجال عندي أشباح ماعداك.

كان هذا هو خطابها الأخير الذي وصله قبل أن يقرر السفر والهجرة من مصر، ولم يبلغها عنه سوى أخبار شحيحة .. كانت تلك الأخبار تطمئنها وتزيد من عذابها في آن واحد .. إلى أن علمت بزواجه بعد ثلاث سنوات من سفره، هو نفسه انتظر هذه السنوات على أمل أن يتغير شيء .. ولكن دون جدوى.

استمرت الحالة ذاتها معها كلما أتى إليها خاطب، ويأس والداها من زواجها، وكفا عن الإلحاح، بل بات والدها يشعر بالندم على ما فعله نحوها، وعلى حرمانها من حبيبها الوحيد، وفي الوقت الذي فكر فيه في الموافقة عليه وكاد يصارحها بتغيير رأيه، كانت هي قد علمت بزواجه، فازداد شعور والدها بالألم الصامت نحوها، واستحال هذا الألم الصامت مرضًا أخذ يفتك به شيئًا فشيئًا، حتى كانت النهاية.

أصبحت والدتها دائمة النظر إليها في حسرة لم تعد تطيقها، فكانت تهرب من نظراتها وتجلس في غرفتها وحيدة أغلب الوقت، إنها رغم حزنها وضعفها لا تريد أن ترى نظرات الحسرة في عيون الآخرين حتى لو كانت عيون والدتها.

إلى أن توفيت والدتها هي الأخرى، وتركتها وحيدة، فإخوتها يزورونها في الأعياد وربما اطمئنوا عليها مرة كل شهر عبر الهاتف في محادثة فاترة باهتة منزوعة المشاعر .. مجرد واجب روتيني ثقيل يؤدى كتمثيلية فاشلة مملة وقبيحة.

بالصدفة بعد خمس وعشرون عاما من سفره قابلت أخته، وعلمت منها أنه عاد إلى مصر واستقر فيها استقرارًا نهائيًا وأنه انفصل عن زوجته الأوروبية، منذ عدة سنوات، وابنه تخرج في الجامعة ويعيش في بلد والدته ويعمل هناك، ويأتي لزيارة والده مرة كل عدة أشهر.

أخبرته أخته إنه أراد أن يتصل بها ولكنه علم بأنها انتقلت إلى عنوان آخر من زمن، ولم يعرف رقم هاتفها، وظل يبحث مرارًا دون جدوى .. أخبرتها أنه مازال يحبها وأنه مازال يريد الارتباط بها .. فوافقت على الفور دون تردد والفرحة تقفز من عينيها كفتاة صغيرة في العشرين، ولأول مرة حين يتقدم لها خاطب تراه في صورته الحقيقية تراه إنسانًا وليس شبحًا أسود.