الأربعاء، 11 يناير 2017

إنها لا ترى الرجال - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

إنني لا أرى غيرك، وماعداك كلهم أشباح سوداء كئيبة. أفر حين أراهم وأركض بكل قوتي بعيدًا عنهم، هل أصابتني لوثة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية اقتحمت أعماقي رغمًا عني لتمنعني أن أكون لأي رجل آخر؟ وماذا عليَ أن أفعل إذن، إنهم لا يريدونك، ويصرون على أن أكون لغيرك، وكلما حاولوا أن يقحموا أي آخر في حياتي تجلت لدي الحالة الغريبة، ولا أرى سوى شبحًا أسود، هل أتزوج شبحًا لأرضيهم؟ كيف أقنعهم أن ما يحدث لا حيلة لي فيه؟، إن والدي يظن أنني أدعي تلك الحالة كي أهرب من الزواج، ومهما ظللت أبكي أمامه وأحاول أن أشرح له أن كل ما يحدث هو رغمًا عني، إلا أن الأمر لا يجدي معه، ينهرني .. يسبني .. وأحيانًا يضربني، ولكن دون جدوى.

أنا لست ابنة عاق كي أتزوجك رغما عن أبي، ولست بلا مشاعر أو قلب كي أتزوج رجلاً آخر لا أحبه، بل أراه شبحًا أسود. أنا لا أدري ماذا في وسعي أن أفعل، ولن أطلب منك الانتظار، ربما تنتظر بقية حياتك دون جدوى.

سافر إذا أردت .. تزوج إذا أردت .. أما أنا فلن أتزوج غيرك أبدًا حتى لو لم أتزوج أبدًا.. لا تنتظرني .. لكنني سأنتظرك .. سأنتظر حدوث معجزة إلهية تجمعنا مرة أخرى .. كن مطمئنًا فكل الرجال عندي أشباح ماعداك.

كان هذا هو خطابها الأخير الذي وصله قبل أن يقرر السفر والهجرة من مصر، ولم يبلغها عنه سوى أخبار شحيحة .. كانت تلك الأخبار تطمئنها وتزيد من عذابها في آن واحد .. إلى أن علمت بزواجه بعد ثلاث سنوات من سفره، هو نفسه انتظر هذه السنوات على أمل أن يتغير شيء .. ولكن دون جدوى.

استمرت الحالة ذاتها معها كلما أتى إليها خاطب، ويأس والداها من زواجها، وكفا عن الإلحاح، بل بات والدها يشعر بالندم على ما فعله نحوها، وعلى حرمانها من حبيبها الوحيد، وفي الوقت الذي فكر فيه في الموافقة عليه وكاد يصارحها بتغيير رأيه، كانت هي قد علمت بزواجه، فازداد شعور والدها بالألم الصامت نحوها، واستحال هذا الألم الصامت مرضًا أخذ يفتك به شيئًا فشيئًا، حتى كانت النهاية.

أصبحت والدتها دائمة النظر إليها في حسرة لم تعد تطيقها، فكانت تهرب من نظراتها وتجلس في غرفتها وحيدة أغلب الوقت، إنها رغم حزنها وضعفها لا تريد أن ترى نظرات الحسرة في عيون الآخرين حتى لو كانت عيون والدتها.

إلى أن توفيت والدتها هي الأخرى، وتركتها وحيدة، فإخوتها يزورونها في الأعياد وربما اطمئنوا عليها مرة كل شهر عبر الهاتف في محادثة فاترة باهتة منزوعة المشاعر .. مجرد واجب روتيني ثقيل يؤدى كتمثيلية فاشلة مملة وقبيحة.

بالصدفة بعد خمس وعشرون عاما من سفره قابلت أخته، وعلمت منها أنه عاد إلى مصر واستقر فيها استقرارًا نهائيًا وأنه انفصل عن زوجته الأوروبية، منذ عدة سنوات، وابنه تخرج في الجامعة ويعيش في بلد والدته ويعمل هناك، ويأتي لزيارة والده مرة كل عدة أشهر.

أخبرته أخته إنه أراد أن يتصل بها ولكنه علم بأنها انتقلت إلى عنوان آخر من زمن، ولم يعرف رقم هاتفها، وظل يبحث مرارًا دون جدوى .. أخبرتها أنه مازال يحبها وأنه مازال يريد الارتباط بها .. فوافقت على الفور دون تردد والفرحة تقفز من عينيها كفتاة صغيرة في العشرين، ولأول مرة حين يتقدم لها خاطب تراه في صورته الحقيقية تراه إنسانًا وليس شبحًا أسود.