الجمعة، 9 ديسمبر 2016

اللقاء المزدوج - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

2, 8:21am
أمنية معتز سالم


في صباح يوم خريفي يتأرجح بين لسعة برد خفيفة ودفء شمس خريفية تشرق وتختفي في استحياء كان موعدها مع العريس المنتظر، الموعد الذي وافقت عليه بعد إلحاح من أهلها، وبعد أن فكرت بعقلها قليلا لأول مرة لا بقلبها، لم لا وقد مر ثلاث سنوات دون أن تراه أو تحدثه أو تسمع عنه خبرا، لعلها فرصة جيدة لتطوي صفحة الماضي، ربما كان الحاضر لابأس به لكنها لا تراه لأن عينيها مغلقة فقط على الماضي، اختارت موعدا غريبا للقاء العريس في العاشرة صباحا في شرفة الفندق الشهير المطل على حدائق المنتزة بجمالها وسحرها وعلى شاطيء البحر، إنها اختارت أن تواجه الألم لآخر مرة، اختارت أن تجرب تعذيب نفسها بالذكريات، فإذا اجتازت ألم الذكريات استطاعت أن تبدأ حياة جديدة مع العريس الجديد أو مع غيره لا مشكلة، لكن المهم أن تتغلب على الألم. تعجب الجميع من اختيارها موعد ومكان اللقاء لكنهم وافقوا أمام إصرارها، وبدأ اللقاء تقليديا باهتا مغلفا بحديث محفوظ مسبقا لا يختلف عن أي حديث يجري في مثل تلك اللقاءات. حوار لا يحتاج إلى جهد او تركيز أو البحث عن إجابات منمقة، فكلها أسئلة وإجابات معتادة، وكلمات مجاملة معتادة. اعتادت هي الرد عليها دون اهتمام زائد ودون تجاهل في ذات الوقت. كانت ترد بلسانها وعقلها وروحها وقلبها وعينيها يجوبون المكان في شوق وحزن وسعادة في آن واحد. إنها سعادة الذكريات القديمة التي ربما لن تعود أبدا. سعادة مغلفة بالألم يعرفها المحبون معرفة تامة، وبدأ يتسلل إلى نفسها شعور غريب بالفرح. شعور لم تكن تعرف مصدره. إحساس قلبي مفاجيء بسعادة مجهولة، ولكن من أين؟ أمن العريس الجديد الذي لا يختلف كثيرا عن سابقيه في الشخصية والشكل وطريقة الكلام؟! غير معقول طبعا. إنها منذ افترقت عنه لا تجد فرقا بين رجل وآخر. كلهم سواء عندها تقريبا، وطالما أهلها يريدونها أن تتزوج، فستتزوج برجل كباقي الرجال لا تشعر بقربه بسعادة أو حزن. لا تشعر بأن حديثه له وقع مميز في أذنيها، أو أن ابتسامته لا تشبه ابتسامة رجل آخر، أو أن نظرة عينيه لها تختلف عن نظرتهما لسائر البشر، فما سبب إحساس السعادة الخفي الذي يتسسل إلى نفسها شيئا فشيئا؟ هل يمكن أن يكون هو قد عاد؟ هل بدأت تهرب من ألم الذكريات إلى جنون الخيال اليائس؟ إنه غادر البلاد وأقسم ألا يعود طالما لن يستطيع أن يحيا معها. هاتفها يرن فجأة. إنه رقم غريب غير مسجل. هل ترد؟ هل تتجاهل الرد وتواصل الحديث الباهت مع الجالسين؟ فجأة قررت أن ترد. نعم إنه هو. لم يكن إحساس الفرح المفاجيء إحساسا كاذبا، بل حقيقيا. هو يبلغها بأنه عاد ويريد أن يراها. يخبرها بأنه بعد يأس من تحطيم العقبات قرر أن يتخطاها، كي يحيا معها إلى الأبد مهما كانت العواقب، وفي لحظة شعرت أنه أمامها ويحدثها ويبتسم لها. في لحظة اختفى كل الحاضرون من أمام عينيها ولم تر إلا غيره.

أختي المقتولة - الجزء الثاني والأخير - قصة بقلم / أمنية معتز سالم



  • أختي المقتولة - قصة بقلم / أمنية معتز سالم الجزء الثاني والأخير لم تندهش نورا من كلام هشام، لكنها نظرت إليه نظرة يشوبها بعض الخوف، لكن تبدو فيها الموافقة واضحة جلية، وردت قائلة: أخاف فقط أن يُكشف أمرنا، فابتسم ابتسامة راحة، وأدرك أنه نال ما أراد بدون عناء الإقناع، وأكد لها أن الأمر ليس صعبا، ولن يكشف أمرهما إذا دبرا الجريمة بشكل متقن، وأفهمها دورها جيدا، ألا وهو أن تضع مخدرا لأختها في أي مشروب، وهو سيأتي للمنزل متأخرا ليلا، وكل ما عليها أن تترك له الباب مفتوحا ليتسلل إلى غرفة نادين ويخنقها، ثم يحملها في سيارته ليدفنها عنده في العزبة، في حفرة عميقة جدا سيحفرها بنفسه في مكان لن يصل إليه أحد. فهمت نورا دورها جيدا وأخبرته بيوم إجازة عم مدبولي الجنايني، حتى يدخل الفيلا بسهولة دون أن يراه، أما عن الخادمة الصماء التي تعمل لدى الأختين، فأخبرته أنها ستضع لها المخدر هي الأخرى، وابتسم هشام وأثنى على تفكير نورا في هذا الأمر الذي فاته هو. حان الموعد المرتقب وتسلل هو إلى الفيلا، ووجد الباب مواربًا كما اتفق معها، وتسلل إلى غرفة نادين التي كانت نائمة نومًا عميقًا من تأثير المخدر، وخنقها ثم لفها بملاية السرير، ونزل في هدوء حتى وصل إلى سيارته، وذهب ليدفنها في الحفرة التي أعدها لها، وقبل أن يتم عملية الدفن، وجد رجال الشرطة خلفه، وقبضوا عليه وهو في حالة ذهول تام، يسأل نفسه: من أبلغهم؟! من اتصل بهم؟!، من شاهدني أصلا؟!، أنا لم أر أحدًا إطلاقا لا أثناء ذهابي ولا أثناء عودتي. أتكون نورا؟! نورا خانتني وأبلغت الشرطة؟! هل فعلت ذلك لتمتع بالثروة وحدها؟ لا غير ممكن، إنها تحبني إلى درجة العشق، ولا يمكن أن تفعل بي ذلك. أيام من التحقيقات وسماع الشهود في النيابة، وكانت المفاجأة حين شهد عم مدبولي ضده، رغم أن نورا أكدت له أنه في إجازة في ذلك اليوم، وقال أنه شاهده وهو خارجًا من الفيلا، ويحمل شيئًا ملفوفًا في ملاية السرير، ملاية سرير نادين تحديدًا، حتى الخادمة الصماء اتضح أنها ليست صماء بل كانت تسمع جيدا، وردت على كل أسئلة النيابة، وتم تحويل القضية إلى محكمة الجنايات بسرعة، حيث كانت كل الأدلة متوفرة والمجرم قبض عليه متلبسًا، وكانت المفاجأة الأكبر وهي شهادة نورا في النيابة، وأمام المحكمة، والتي أكدت فيها أنها شاهدته خارجًا من الفيلا، وتأكدت أنه كان يحمل أختها الملفوفة في الملاية، بعد أن دخلت غرفتها ولم تجدها؛ فأبلغت الشرطة على الفور، وتبعه رجال الشرطة إلى عزبته، حيث وجد متلبسًا بدفن الجثة. طوال جلسات المحكمة كان ينظر إلى نورا في ذهول، وهي تنظر إليه في تشفي وانتقام وشعور بالزهو والانتصار غير طبيعي، لا إنها ليست نورا، ليست هذه نظراتها أبدا، نورا نظراتها فيها ضعف وانكسار دائمًا، إنها نظرات نادين !! أيعقل أن يكون قد قتل نورا بدلاً من نادين؟!! لكن كيف؟ كل شيء جرى حسب الخطة المتفق عليها مع نورا، والغرفة التي دخلها غرفة نادين، والقتيلة التي قتلها هي نادين بالتأكيد، فما الذي قلب نورا هكذا إلى نادين أخرى؟!! لم يدرك المسكين أن الخادمة التي كانت تدعي الصمم كانت تعمل لحساب نادين، وتنقل لها كل أحاديثه مع نورا، وتتجسس عليهما بشكل دائم، وهما لم يكونا يباليان لوجودها أثناء الحديث بما أنها صماء. علمت نادين بالخطة كاملة من خادمتها مدعية الصمم، وقلبت السحر على الساحر. حكم على هشام بالإعدام، وبذلك نالت نادين الثروة كاملة، ليس ثروة نورا فقط، ولكن ثروة هشام أيضا، بما أنها أمام الناس زوجته نورا؛ فإنها سترثه بعد إعدامه. بقيت مشكلة بسيطة على نورا المزيفة أن تنتبه لها، وهي أن تسير متكأة على عصا نورا وتقلد مشيتها العرجاء قليلاً، إنها طبعا لن تظل عرجاء لبقية عمرها؛ فقد قررت أن تبيع كل ممتلكاتها بعد أن تتسلم الميراث كاملاً، ثم تغادر البلاد إلى الأبد، وهناك بالطبع لن تحتاج أن تظل تتظاهر بالعرج. نادين كرهت نورا وحقدت عليها، وأرادت أن تبعد هشام عنها؛ لأنها كانت تدرك مآربه جيدًا، ولكن رغم ذلك لم تفكر في قتل أختها، لكن نورا هي التي أرادت قتل نادين؛ فأدركت نادين أنه لا خيار أمامها سوى أن تكون قاتلة لا مقتولة.

أختي المقتولة - الجزء الأول - قصة بقلم: أمنية معتز سالم


  • نورا ونادين أختان توأمان. تتشابهان في الملامح إلى حد التطابق، وجه الاختلاف الوحيد بينهما أن نورا تعاني من عرج بسيط في ساقها نتيجة إصابتها بشلل الأطفال وهي صغيرة، لكن أوجه الاختلاف بينهما في الشخصية متعددة، فنوار طيبة رقيقة هادئة، لكن أبرز عيوبها أنه من الممكن أن يسيطر أي شخص عليها ويتحكم في شخصيتها ويطوعها كما يريد. أما نادين فهي القوية دائما صاحبة نصف ابتسامة وكأنها تبخل على من تبتسم له بابتسامة كاملة. تفكر دوما بعقلها، ولا مجال لأن تتحكم فيها مشاعرها. تفترض سوء النية دائما في الآخرين ولا تمنحهم ثقتها بسهولة، وإذا منحتها بعد اختبارات متعددة، فإنها لا تكون ثقة كاملة أبدا. هي دائما تعامل أختها بغلظة وجفاء، فلا مكان للمشاعر في قلبها، الفتاتان وحيدتان؛ فقد توفي والدهما وهما في التاسعة، وتوفيت الأم وهما في عمر السادسة عشر، وكانت خالتهما تشرف على تربيتهما وتعلميهما، إلى أن اشتد على زوجها المرض؛ فمكثت بجواره وكانت الفتاتان قد كبرتا، لكن نورا لم تكمل تعليمها الجامعي، وكانت بطيئة إلى حد ما في التحصيل الدراسي. استطاع هشام ابن صاحب العزبة المجاورة لهما أن يستولي على قلب نورا بسهولة، وكانت نادين دائما تحذرها منه، وتؤكد لها أنه طامع في ثروتها؛ فثروة أبيه لا تتجاوز ربع ثروة نورا، ورغم ذلك وقعت الفتاة المسكينة طيبة القلب في حب أول شاب عاملها بلطف، وقبلت خطبته بمنتهى السرعة، وسط ترقب وحذر وغضب من أختها، وشيء من الغيرة أيضا، فكيف يتركها وهي سليمة معافاة حاصلة على مؤهل جامعي، ويتقدم لأختها التي تتكيء على عصا ولم تكمل دراستها، ورغم أنها كانت تعرف أنه اختارها لضعفها وسهولة التحكم فيها إلا أنها كانت تغار. حاولت نادين التأثير على نورا أكثر من مرة من أجل أن تفسخ خطبتها، ولكن دون جدوى؛ فقد كان لهشام تأثير أقوى عليها. كانت هي وهشام كغريمان كل منهما يحاول أن يشد نورا نحوه. وحين طلب هشام أن يعقد قرانه على نورا ازداد غضب نادين وأرغمته على التأجيل المرة تلو الأخرى، فكانت أحيانا تدعي المرض، وأحيانا الظروف تواتيها دون إدعاء مرض، وذلك حين يموت أحد الأقارب حتى لو كان قريبا من بعيد، فتنتهزها فرصة نادين؛ وتعطي لنورا درسا في الواجبات والذوق، ومراعاة حزن الأقارب، وكيف لا يصح أن تفرح وهناك حالة حداد في العائلة، لكن هشام استطاع إقناع خالهما وخالتهما بعقد القران وتم رغما عن نادين التي ازداد كرهها له، وحقدها عليه. أدراك هشام بمرور الوقت أنه لاسبيل لإتمام الزيجة في وجود نادين أبدا، وازداد الصراع والخلافات بينه وبينها، وازدادت الأمور تعقيدا، حتى أن نورا بكت يوما أماهه وقالت له لن أستطيع أن اتخلى عن أختي لأجلك، إنها تكرهك؛ فأدرك هشام مدى خطورة نادين عليه وعلى تلك الزيجة التي كان يطمح لها؛ ليضاعف ثروته عدة أضعاف. قرر هشام بينه وبين نفسه التخلص من نادين، وبقي الجزء الأصعب، ألا وهو إقناع نورا بذلك، وضرورة تحقيقه بأقصى سرعة؛ ولتحقيق ذلك كان لابد من السيطرة على الجسد أيضا لا العقل وحده، وكان له ما أراد، وأصبحت نورا طوع أمره، وتجرأت وتشاجرت مع أختها أكثر من مرة بسببه، وبدأت تكره نادين بالفعل، وكأن عدوى كرهها انتقلت لها تلقائيا من هشام الذي أصبح هو المتحكم الوحيد فيها، عقلا وقلبًا وجسدًا، وأدرك أن اللحظة قد حانت ليقول لها صراحة أن عليهما التخلص من أختها بأقصى سرعة.

ولا يشترط عُمر معين - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • ولا يشترط عمر معين
  • أمنية معتز سالم
    11/11, 11:12am
    أمنية معتز سالم
    حانت اللحظة الحاسمة، رمقته بنظرة عميقة لتنتظر قراره الأخير. هل سيكمل مشواره معها كما اختار هو، أم سيرضي أمه ويتركها؛ لأنها في الثالثة والثلاثين، وهو في الخامسة والثلاثين لكن أمه تريد له زوجة في الخامسة والعشرين على الأكثر لتضمن أنها قادرة على الإنجاب كما قالت له، وهو في حيرة بين إرضاء أمه وبين إعجابه بها وبشخصيتها ومظهرها المحترم الذي لا يخلو من الجمال الرقيق الهاديء المريح للناظر. ونظر إليها في شجاعة وكأنه يستجمع كل قواه، وقال: لن أختار سواك، ووالدتي ستلين يوما ما، وإن أردتي أن نشتري الشبكة اليوم فلا مانع لدي، وطلبت هي تأجيل الأمر لليوم التالي لتصطحب والدتها معها. لم يكن والداها مرتاحان لعدم موافقة أمه، لكنهما وافقا حتى لا يكونا مصدرا لتعاستها. وبعد شراء الشبكة اتفق مع والديها على أن تكون الخطوبة في منزلهما عائلية بسيطة وبدون الكثير من المدعويين، وخلال الأسبوع حدثها مرتين فقط في الهاتف، ثم انقطع عن الاتصال، وكلما طلبته وجدت هاتفه مغلقا، حتى ابن خالتها، صديقه الذي تعرفت عليه عنده عندما كانت في زيارة له هو وزوجته، حتى ابن خالتها لم يكن يعرف أين هو، ولمَ اختفى فجأة بعد أن اشترى الشبكة وحدد ميعاد الخطبة. وقبل موعد الحفل بيومين حدثها ابن خالتها في الهاتف بصوت خجل وغاضب أيضا في ذات الحين وقال لها: اعتذري للناس، الندل لن يأتي، لقد خطب فتاة أخرى من اختيار أمه، والصور منشورة على مواقع التواصل، وتقريبا أهداها الشبكة التي اشتراها لك. بهتت هي ولم تصدق، كيف فعل ذلك؟ ولماذا لم يصارحها بأنه لن يستطيع أن يعصى أمه؟ لماذا اشترى لها الشبكة إذن؟ هل ليذهب بعد عدة أيام ويقدمها لأخرى؟ وبلغها أنه اتصل بابن خالتها بعد ذلك وطلب منه ان يعتذر لها بأنه خاف على أمه من الصدمة لو خطب رغم إرادتها. وطوت هي صفحته وانشغلت بعملها، إلى أن تفاجات بأحد زملائها يطلب يدها، وكان الأمر مفاجاة لأنه يصغرها بخمس سنوات، ولم تتوقع أن يفكر في الارتباط بها، إلا أنه أبدى عدم اهتمامه بفارق السن بينهما، وأكد لها أن أسرته تتفهم الأمر جيدا، وتحترم خياراته، فوافقت وهي قلقة خائفة من أن تتكرر التجربة الماضية مرة أخرى، ولكن ظنها لم يكن في محله. وتزوجت بزميلها الخلوق المحترم وعاشت معه ثلاث سنوات في سعادة وأنجبت طفلة جميلة، وانقطعت كل أخبار صديق ابن خالتها، حتى أن ابن خالتها نفسه قاطعه ولم يعد يراه أو يعرف عنه شيئا، وفي ذات صباح وهي تطالع إحدى الجرائد وقعت عيناها على اسمه في أحد إعلانات الزواج، ومكتوب تحته (مطلق لعدم الإنجاب يرغب في الارتباط بأرملة أو مطلقة ولا يشترط عمر معين)

حارس من العالم الآخر - قصة بقلم: امنية معتز سالم


  • حارس من العالم الآخر
  • أمنية معتز سالم
    11/10, 1:06pm
    أمنية معتز سالم
    جلست في الحديقة الغناء وسط الأشجار تتحدث مع علي عن العريس المتقدم لها، وبدأ يبدي رأيه ككل مرة يأتيها فيها عريس، وكالعادة ذكر لها كل عيوبه، ككل مرة علي يعرف عيوب العريس ويحذرها منها جيدا ويطلب منها أن تتريث، وكالعادة تسأل هي نفسها كيف عرفه وعرف كل هذا عنه؟ نصحها بأن تنتظر حتى يأتي من هو أهل لها، ووافقته ككل مرة دون أن تدري لماذا توافقه ولماذا تثق في كل ما يقوله عن العريس، لماذا صدقت بسرعة أن العريس متزوج من أخرى ويخفي عنهم خبر زواجه؟، وحين قالت لوالدها سبب الرفض سخر منها، وقال لها من أين عرفتي؟ هل تفتحين المندل أم تضربين الرمل؟ لقد سألت عنه بنفسي عدة مرات ولم أعرف عنه غير كل خير، وبعد عدة أيام جاء الأب يتحدث معها بلهجة هادئة ويؤكد لها أن ما قالته عن العريس اتضح أنه صحيحا، وسألها كيف عرفت تلك المعلومات، فأخبرته أن إحدى صديقاتها قريبة العريس من بعيد وأخبرتها بكل ذلك، لم يكن من المعقول أن تقول له أن علياً هو من أخبرها. وانشغلت في عملها ونحت التفكير في الزواج جانبا، فلا داعي للاستعجال وهي مازالت في الخامسة والعشرين، ولم تجد الشخص المناسب حتى الآن. وبعد عدة أشهر تقدم لها آخر، ولم ترتح له هذه المرة قبل حتى أن يخبرها علي برأيه، وحان وقت اللقاء بعلي وأخبرها السر الخطير هذه المرة أيضاً، فالعريس نصاب وسبق أن خطب أكثر من فتاة ونصب عليها، وهذه المرة وافقت علي الرفض دون تردد، ومضى عام كامل دون أن يتقدم لها عريس آخر، ووالديها بدأا يؤنباها على من سبق ورفضتهم ويؤكدون لها أنه من الصعب أن يتقدم آخرون في نفس المستوى. لكن فاجأها علي بمفاجأة سارة حين قال لها أنه سيتقدم لها عريس ممتاز هذه المرة، ولا غبار على أخلاقه، وأكد لها أنه يتشابه معه في الكثير من الصفات، فابتسمت طبعا وهدأت نفسها لأنها تعرف أخلاق علي جيدا، وتعلم أن أي فتاة لا تتمنى لنفسها سوى رجلا مثله، وبالفعل في اليوم التالي أتى إلى مكان عملها أحد العملاء، ولاحظت أنه كان ينظر إليها كثيرا، وحاولت أن تتجاهل نظراته لكنها كانت تلاحقها. وفي اليوم التالي أتي نفس الشخص إلى عملها أيضا لينهي المهمة التي أتى من أجلها بالأمس، وتابعها بنظراته كيوم أمس، وشعرت بضيق قليلا من هذه النظرات التي لاحظتها إحدى زميلاتها، وحين انتهى وقت العمل فوجئت به ينتظرها على باب الشركة وينادي في استحياء: يا آنسة يا آنسة، اسمحيلي بكلمة، فردت في غضب: اتفضل، وطلب منها أن يأتي للبيت ليخطبها ويتعرف على عائلتها، وابتسمت في حياء وشعرت أنه هو من حدثها عنه علي، وبالفعل سارت الأمور على ما يرام وتمت الخطبة في نطاق عائلي بسيط، وبدأ الاستعداد للفرح وهي سعيدة متفائلة مطمئنة. وبدأت تتصل بالأقارب والأصدقاء والمعارف لتدعوهم، ولم تنسى طبعا زملاء الجامعة، فاتصلت بمي صديقتها وزوجها إسلام، والاثنان كانا معها في الكلية، وطلبت أن تتحدث إلى إسلام للضرورة، وقالت: إسلام لي عندك طلب ضروري أتمنى أن تحققه لي قبل زفافي، أريدك أن تذهب معي إلى قبر علي كي نقرأ له الفاتحة.

لعنة نسرين - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • لعنة نسرين
  • أمنية معتز سالم
    11/9, 11:18am
    أمنية معتز سالم
    بدأت الأعراض الغريبة تظهر عليه بعد وفاتها بعدة أيام. بعد وفاة نسرين أخته في حادث سيارة أليم وهي تعبر الطريق أمام المنزل، وكان هو واقفا في الشرفة يراقبها وهي تركض وتعبر الطريق بسرعة جنونية دون أن تلتفت إلى السيارات. كانت تهرب من بطشه وقسوته ومن ضربه المبرح لها ليجبرها على ان تتزوج العريس الذي اختاره لها. السكير الذي يتعاطى المخدرات. أراد أن يزوجها له لأنه ثري ولأن زوجته الحقودة أرادت أن تتخلص من نسرين بأي طريقة وتخرجها من البيت لتنفرد هي بالمنزل وتصبح سيدته وحدها، رغم أنه ليس منزل المحروس زوجها وحده بل منزله هو وأخته ورثاه عن أبيهما رحمه الله، وماتت أمه بعد والده بعامين وكانت نسرين لا تزال طالبة في المرحلة الثانوية وهو يكبرها بعشر سنوات. قرر أن يتزوج ويأتي بعروسه إلى منزل العائلة ولم لا وهو منزل فسيح، وأخته الصغيرة لن تعترض على ذلك، فهي فتاة صغيرة طيبة مغلوبة على أمرها تحب أخاها ولكنه لا يحب إلا نفسه فقط وزوجته المسيطرة. لكن الأمور لم تسر على ما يرام بين الزوجة والأخت، فالزوجة ليست جميلة ونسرين كانت رائعة الجمال، وكان ذلك منبعا أساسيا لحقد زوجته عليها، واختلاقها للمشاكل معها دون مبرر، وكان الأخ المحترم دائما ينصف زوجته على حساب أخته، حتى معاشها عن والدها كان يأخذه بالكامل بحجة أنه يطعمها وينفق عليها، وكان يعطيها منه مصروفا بسيطا، وإذا أرادت أن تشتري شيئا لنفسها فعليها أن تطلب منه ويعرض الأمر على زوجته وهي من تقرر نعم أم لا. سارت الأمور على هذا الحال إلى أن تخرجت نسرين في كلية الحقوق وأرادت أن تتمرن على المحاماة في مكتب محام قريب لهم، فازداد حقد الزوجة التي لم تكمل دراستها عليها، وصممت على أن تُزوجها لأول عريس ميسور الحال يتقدم لها، حتى تترك المنزل لها، وحتى لا تستمر في العمل. واستمر الأخ في ضغطه عليها تارة بالإقناع وتارة أخرى بالسباب والضرب، وطلبت منه زوجته أن يمنعها من العمل أو الخروج نهائيا، وكذلك لم يسمحوا لها باستخدام الهاتف حتى لا تشكو لخالها وتستنجد به من الظلم الذي يقع عليها. وفي غفلة من أخيها وزوجته قررت أن تترك المنزل وتذهب إلى بيت خالها، لكن أخاها استيقظ ورآها عند باب الشقة، فجحظت عيناه من الغضب وانهال عليها ضربا وصفعا، واستطاعت أن تفر من بين يديه ونزلت مسرعة وعبرت الشارع ركضا وحدثت الكارثة، وصدمتها سيارة مسرعة أردتها قتيلة في الحال، والأخ كان يرقبها من الشرفة في ذهول بعد أن سمع صوت صراخ المارة في الشارع، وكأنه لا يصدق ما حدث، وكأنه استيقظ فجأة من غفلته وأدرك ما فعله بأخته، وأدرك أنه هو قاتلها الحقيقي وليس قائد السيارة المسرعة، وفجأة اشتعلت عاصفة بداخله، عاصفة من الحزن والغضب من زوجته، والشعور بالذنب والندم على ما فعله بأخته، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينهال على زوجته بالصفعات، ثم أجهش بالبكاء.وكان يبكي طوال مراسم الجنازة والعزاء. ولم ينم إلا قليلا في الأسبوع الأول بعد الحادث. ثم بدأ العذاب الحقيقي، فكلما غفا رأى نفس الحلم المزعج، ورأى نسرين مخضبة بالدماء تحت عجلات السيارة، فيهب من نومه صارخا كطفل صغير أزعجه كابوس. واستمر الحال هكذا عدة أسابيع، وهو لا يستطيع النوم إلا قليلا، أو بمعنى أصح يخاف أن ينام حتى لا يرى الحلم المزعج، وتطور الأمر إلى درجة أصعب من ذلك، فبات لا يستطيع النظر إلى ابنته الصغيرة لأنها تشبه نسرين إلى حد كبير، فأصبح يهرب منها كلما رآها، وفي ذات صباح وهو ينظر في المرآة رأى نسرين أمامه ففر مذعورا من أمام المرآة، وتكرر الأمر حتى أنه أصبح يخاف أن يقوم بحلاقة ذقنه حتى لا يراها كلما نظر في المرآة، ثم أصبح يصرخ كلما رأى زوجته أمامه ويراها نسرين. حتى زميلاته في العمل كلهن نسرين، حتى الفتيات والنساء في الشارع جميعهن نسرين، وانقطع عن العمل في إجازة مرضية طويلة، واحتار أكثر من طبيب نفسي في علاجه دون جدوى، وأصبح يرى دماءً على الحوائط وعلى الأرض وعلى الفراش، فيصرخ مذعورا ويطلب من زوجته تنظيف المكان، وهي تصرخ فيه: لقد مللت منك.. لقد أصابني الجنون أنا الأخرى.. لم أعد أطيقك..، ولم يقتصر الأمر على رؤية نسرين وهي مضرجة بالدماء بل أصبحت تحدثه ويرد عليها، تلومه وتعاتبه وتؤنبه، وهو يصرخ مدافعا عن نفسه: لم أقتلك.. لم أقتلك.. لم أكن أعرف أن الأمر سيصل إلى هذا الحد.. أرجوكي دعيني.. اتركيني أنام.. لا أريد أن أراك.. وتضحك هي ضحكة عالية وتقول: ستراني طالما حييت.. لن أتركك لحظة واحدة..

الشبح الغارق - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • أمنية معتز سالم
  • 11/8, 3:27pm
    أمنية معتز سالم
    نفس الشبح الغارق. نفس الميعاد اليومي الواحدة بعد منتصف الليل، وحدها تجلس في شرفة الشاليه أمام البحر تقرأ كتباها الذي بدأته ليلة أمس، وتوهم نفسها أن ما رأته بالأمس كان مجرد وهما أو حلما زارها في غفوة فجائية من تعب السفر وسهر ليلة ما قبل السفر إلى الساحل الشمالي بالإسكندرية، لذلك جلست في الشرفة تكمل الكتاب في هدوء وتستدعي شجاعتها الهاربة منها منذ ليلة أمس، وتتجاهل شعور الخوف والفضول الذين يجتاحاها في ذات الوقت، وفي تمام الواحدة ظهر نفس الشبح أمام عينيها شبح فتاة تغرق في البحر وتستغيث وتشير إليها بكلتا يديها لتنقذها، شعرت بالفزع تلك المرة أكثر من سابقتها، واتجهت مسرعة نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها بسرعة، وكأنها تحتمي بغرفتها من الشبح، وأمضت ليلة عصيبة وهي ترتعد من الخوف ولم تستطع النوم إلا بعد شروق الشمس، واستيقظت في الثانية عشر ظهرا. تعجبت أمها من استيقاظها المتأخر، فقد كانت تحب الاستيقاظ مبكرا والاستمتاع بالبحر قبل شمس الظهيرة القاسية، وسألتها عن سبب استيقاظها متأخرة، فتهربت من الإجابة وقالت أنها مازالت مرهقة من السفر، وجلست تتأمل البحر وهي شاردة بعد أن تناولت إفطارها المتأخر، جلست تفكر فيما يمكن أن يحدث في ليلة جديدة مرعبة ومخيفة، وتمنت لو أن الليل لا يأتي. فكرت أن تطلب من والدتها أن يعودا إلى القاهرة، ولكنها تراجعت حتى لا تصيبها بالقلق عليها، وكانت متأكدة أن والدتها ستصر على معرفة السبب، وجاء الليل وبدأ القلق يستبد بها، لو أن والدتها تسهر لوقت متأخر لجلست معها وهدأت من روعها، بل ربما لو جلست معها لاختفى الشبح اليومي ولم يظهر، لكن لماذا يظهر شبح الفتاة لها هي بالذات؟ ولماذا يظهر تحديدا في الواحدة بعد منتصف الليلل؟ هل بدأت تفقد عقلها وتتخيل أوهاما لا أساس لها؟ هل تتصل بزوج أختها الطبيب النفسي وتحكي له ما حدث؟، لكنه حتما سيعتقد أنها مصابة بمرض نفسي، بل ربما يصر على أن يدخلها المصحة النفسية التي يعمل بها. لا لن تحكي لأحد ما حدث. ستمضي الليل في غرفتها وتغلق عليها الباب حتى الصباح. نعم هذا هو أفضل حل كي لا ترى الشبح اليومي، وبالفعل ادعت التعب وعدم الرغبة في الخروج أو السهر في الشرفة وأغلقت عليها باب غرفتها، لكن هذا لم يمنع رياح الخوف والقلق من أن تستبد بها وتخنقها، وكلما اقترب الوقت من الواحدة صباحا كلما تضاعف شعورها بالخوف، لا إنه ليس الخوف فقط بل شيء آخر. رغبة عارمة في أن تخرج للشرفة ككل ليلة، وكأن شيئا يدفعها دفعا للخروج، وازداد ذلك الشعور تدريجيا حتى وصل إلى قمته في الواحدة إلا خمس دقائق، فوجدت نفسها مستسلمة لذلك الشعور الخفي وخرجت من الشاليه، ولم تجلس في الشرفة بل اتجهت نحو البحر ولديها رغبة قوية في استكشاف الأمر تلك المرة مهما كلفها من ثمن، انتظرت بضع دقائق وهي تتصبب عرقا رغم هواء البحر الشديد في ذلك الوقت من السنة في نهاية شهر سبتمبر، ولم يظهر الشبح الغارق ككل ليلة، فهدأت واطمئنت لكنها في نفس الوقت شعرت بقليل من الخيبة، فقد كانت تتمنى أن تعرف حقيقة الأمر، وفي طريق عودتها إلى الشاليه سمعت صوت نسائي يناديها باسمها فارتعدت وتعجبت، لم يكن هناك أحد على الشاطيء في هذا الوقت من الليل، فاعتقدت أنها تتوهم، ومضت في طريقها، إلا أن النداء تكرر مرة أخرى: ياسمين، فالتفتت وراءها لترى فتاة بارعة الجمال في الخامسة والعشرين تقريبا من عمرها، فردت عليها وهي ترتعد وقالت: من أنت؟ وماذا تريدين؟ وكيف عرفتي اسمي؟ فردت الفتاة: أنا ندى جارتك في الشاليه المقابل وأحتاج مساعدتك، ساعديني أرجوكي ساعديني، وبدأت الفتاة تصرخ وتبكي وتكرر كلمة ساعديني، فاستبد بها الخوف منها وهربت ركضا نحو الشاليه والفتاة تصرخ وتكرر ساعديني. دخلت ياسمين الشاليه باكية منهارة واستيقظت والدتها على صوتها، فلم تتمالك نفسها وروت لأمها كل ماحدث، وتوسلت إليها أن تعودا إلى القاهرة في الصباح، لكن والدتها ذكرتها بأختها وزوجها اللذين سيأتيان من الإسكندرية غدا لتمضية اليوم معهما، فبماذا ستعتذران لهما؟ وهل سيصدقا سبب العودة المفاجيء إلى القاهرة؟ خاصة وأنها أخذت أجازة لمدة أسبوعين من العمل للاستجمام والاستمتاع بهواء البحر. طلبت منها والدتها أن تمضيا الغد فقط مع أختها وزوجها ثم يعودا ليلأ إلى القاهرة، لكن تذكرت والدتها أن ياسمين تخشى القيادة ليلا على الطريق الصحراوي، فهدأت من روعها وقالت لها سأجلس معك حتى تنامين ولن أفارقك لحظة واحدة، وفي الصباح نسافر بمشيئة الله، فاطمئنت ووافقت على اقتراح الأم. وعادت أختها وزوجها إلى الإسكندرية في حوالي التاسعة مساءً بعد أن أمضيا اليوم معهما، وبمجرد أن رحلا بدأت تتجهم وتفكر فيما يمكن أن يحدث في هذه الليلة، وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعتا طرقات شديدة على باب الشاليه، فارتعدت ياسمين ولم تنطق بحرف، واتجهت الأم لتفتح الباب فوجدت أمامها فتاة بسيطة تبدو في حوالي التاسعة عشر على الأكثر تبكي وتقول: من فضلك يا هانم أرجوكي دعيني أمضي الليلة عندكم حتى الصباح فأنا لا أعرف أين أذهب الآن وكيف أعود إلى القاهرة وحدي، أدخلتها الأم وهدات من روعها وسالتها من هي وماذا حدث لها، فأجابت: أنا فاطمة أعمل خادمة عند الباشمهندس عمرو في الشاليه المجاور لكم، وزوجته الجديدة تشاجرت معي وأهانتني وصممت على طردي من الشاليه ليلا، وهو طبعا أطاع أوامرها وتركني أخرج وحدي، واستمرت الفتاة في البكاء، وكل من ياسمين والأم تحاولان تهدأتها وطمأنتها، وطلبتا منها أن تبيت معهما حتى الصباح وتسافر معهما للقاهرة. ففرحت الفتاة فرحا شديدا ودعت لهما، ثم قالت: أنتم أناس طيبين كسيدتي ندى الله يرحمها، ونظرت الأم وابنتها إلى بعضهما في دهشة وذهول، ثم سألتها ياسمين: ندى من؟ فأجابت: ندى زوجة الباشمهندس السابقة رحمها الله، ألا تعرفانها؟ لقد غرقت هنا في البحر منذ ثلاثة شهور، واستيد الذهول بياسمين وبأمها، وطلبتا من الفتاة أن تكمل القصة، فقالت: سيدي كان دائم الشجار مع سيدتي ندى وكان يضربها وكانت تعرف انه يصادق امرأة أخرى وهي للأسف من تزوجها الآن وحلت محل سيدتي ندى. في تلك الليلة من شهر يونيه تشاجرا معا شجارا عنيفا وضربها، وكانت تصرخ وعندما حاولت الدفاع عنها ضربني أنا أيضا، ودخلت هي غرفتها وأغلقت عليها الباب، وخرج هو وأغلق الباب خلفه بقوة، وفي تلك الليلة لم أدر ماذا حدث، فقد نمت نوما عميقا لم أنم مثله في حياتي، واستيقظت في الصباح على صوت الباشمهدس ينهرني ويوقظني ويقول لي أين سيدتك؟ إنها لم تبت الليلة الماضية هنا، لقد عدت متأخرا ونمت على الأريكة معتقدا أنها في غرفتها، لكنها ليست هنا، لم تنم هنا. وذهبنا نبحث عنها في كل مكان واتصلنا بأقاربها ولم نعثر لها على أثر، وأبلغ سيدي الشرطة، وبعد يومين وجد الناس جثتها ملقاة على الشاطيء. وقالت الشرطة في تقريرها أنها غرقت في حوالي الساعة الواحدة صباحا من اليوم السابق واعتبروا الحادث انتحاراً. رحمها الله كانت طيبة القلب وتعاملني كأختها الصغيرة.ونظرت الأم وابنتها إلى بعضهما نفس النظرة وكأنهما اتفقتا على ألا تقولا شيئا للفتاة عن الشبح الليلي، وقالت لها ياسمين: ستنامين في غرفتي، لدي سرير آخر وسنتحدث حتى الصباح، ابتسمت الفتاة ووافقت وتناولت عشاءها وشكرتهما، ودخلت لتنام مع ياسمين في غرفتها، ولأول مرة شعرت ياسمين بالاطمئنان والراحة، ولأول مرة تشعر منذ أن رأت الشبح أنها يمكن أن تنام نوما هادئنا عميقا، وراحتا في نوم عميق لم يقطعه سوى صراخ امرأة ورجل صراخا عاليا مدويا، فاستيقظ الجميع وخرجن من الشاليه ليعرفن ماذا حدث، منظر رهيب مخيف شاليه المهندس عمرو يحترق، والنار تطاله كله من فوقه لتحته، وحتى أشجار الحديقة اشتعلت فيها النار أيضا، وكان ذلك في تمام الواحدة صباحا. أعوام عديدة مضت. تزوجت ياسمين وأنجبت أطفالا، وكانت كل عام تذهب إلى الشاليه، ولم ترى شبح ندى أبدا بعد ذلك اليوم

فستان السهرة الأخير - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • فستان السهرة الأخير
  • أمنية معتز سالم
    11/11, 8:54am
    أمنية معتز سالم
    ليلة حزينة شديدة السواد مرت عليها. لم تر مثلها منذ عام على الأقل. منذ أن رحل وقرر أن يتركها هي وابنه ليتزوج بالحسناء ذات العشرين عاما ويمنحها كل اهتمامه وماله ووقته. كانت صدمة في البداية بالنسبة لها. كانت تعلم بعلاقاته النسائية المتعددة منذ أن تزوجته وقبل أن تتزوجه، وبمرور الوقت لم تكن تبالي. حقا لم تكن تبالي لأنها لم تكن تحبه، ولم يمثل بالنسبة لها زوجا حقيقيا. إنها لم تختره بل اختاره والديها وضغطوا عليها لتقبل به. إنه عريس (لقطة) كما قالوا لها، فهو ثري وابن عائلة كبيرة ويملك عملا خاصا به، ولا يهم أنه يكبرها بحوالي خمسة عشر عاما. لم يكن فارق السن هذا عيبا ينتقص منه أمام والديها، ووافقت تحت الإلحاح، وتحت تأثير كلام والدتها التي كانت تقول لها لن يأتي لك شخص آخر بمثل هذه المواصفات، وتزوجته وأنجبت ابنها الوحيد ومضت سبع سنوات دون جدوى. دون أدنى تغيير في صفاته أو أخلاقه. فاستمر في علاقاته النسائية المتعددة، وكان يأتي ليلا مخمورا أحيانا. تفوح منه رائحة عطر نسائي. لم يكن يأبه بمشاعرها أبدا. وكم اشتكت لوالديها وكم طلبت الطلاق، وكان الرد دائما اصبري حتى لا تصبحي امراة مطلقة. حتى لا تفقدي المستوى المادي الذي تعيشين فيه. اصبري كي تربي ابنك مع والده لا مع رجل آخر. لكنه هو من اختار الرحيل والزواج بأخرى. لم يكن حتى يعير ابنه سوى اهتمام ضئيل حين يأتي لزيارته مرة في الشهر ويجلس معه ساعة واحدة، ويمنحها الشهرية. كانت ساعة كئيبة بالنسبة لها. لقد أصبحت تكرهه ولا تطيق رؤيته ولا أنفاسه. تكره أن تسمع صوته وهو يتحدث مع ابنه بطريقة مصطنعة فيها تمثيل مزيف للحب والاهتمام، وللأسف الطفل البريء كان يصدقه وينتظر لقاءه الشهري بفارغ الصبر. هذا هو قلب الطفل المسكين الذي يحب والده، ولا يفكر أبدا في أن والده لا يحبه. لماذا عاد؟ لماذا فُرض عليها أن تقبل بعودته رغم كرهها له؟ إنه لم يعد باختياره. لم يعد لأنه ندم على ترك زوجته وابنه؛ بل عاد لأنه مرض ولما اشتد عليه المرض ضاقت به زوجته الجديدة وطلبت الطلاق ونالت كل حقوقها المادية. اختارت أن تتركه في مرضه وتبحث عن زوج آخر معافاَ، رغم أنه ترك زوجته وابنه ليتزوجها، ورغم أنه تزوج عليها، إلا أنه رفض رفضا باتا أن يطلقها، ولم يطلقها وهي تربي له ابنه؟ وترعاه وتحمل عن كاهله تلك المسؤلية، فربما فكر أنه لو طلقها ستتزوج بآخر وتترك له الولد، وهو لا يريد ذلك العبيء طبعا وغير متفرغ له. لقد مرت سنة اعتادت فيها أن تعيش بدونه وتأقلمت وشعرت بالراحة. شعرت بأنها سيدة المنزل حقا وسيدة نفسها، لكنه عاد ذليلا بسبب المرض لا أكثر، وطبعا أعطاها والداها درسا في الوفاء والإخلاص وما على الزوجة بنت الأصول من واجبات حتى لو أخطأ زوجها، وذكراها بأن ابنها يجب أن يتربى مع والده، وأنها يجب أن تتحمل من أجله؛ فقررت أن تتحمل كالعادة وأن تصبر كما طٌلب منها، ولكن مهلا هناك شيء وحيد مبهج في عودته. إنه أيمن ابن خالته ذلك الشاب الخلوق المهذب الذي يعمل لديه في الشركة؟، وكان يزوره من حين لآخر في البيت، وكان لزيارته وقع جميل في نفسها، فقد كان في كل زيارة يهديها رواية جميلة من مكتبته، وكانت تنتظرها بفارغ الصبر لتقرأها وتعيش في داخل أحداثها وتسهر عليها عدة ليال حتى تنتهي منها. قد كان مهندسا لكنه محبا للشعر والأدب والفنون. إنسان خلوق مهذب راقِ في تعامله مع كل الناس، وكان يصغر زوجها بحوالي سبعة أعوام، ومع ذلك كان عكسه تماما. كان عاقلا رزينا لا يعاقر الخمر وليست له مغامرات نسائية. سبق أن خطب مرة واحدة وانفصل عن خطيبته منذ ثلاث سنوات تقريبا ومن وقتها لم يرتبط بأخرى. كان أيمن الحسنة الوحيدة لوجود زوجها في البيت، فقد كانت الروايات التي يهديها لها هي الخيط الحريري الجميل الذي يربطها بالحياة ويشعرها أنها على قيدها، لكنه انقطع طبعا عن زيارتهم بعد أن ترك زوجها المنزل، وكان يكتفي أحيانا بأن يطمئن عليها هي والطفل بالتليفون مرة كل شهرين أو ثلاثة لدقائق معدودة. وبدات تهدأ شيئا فشيئا بعد أن تذكرت أيمن ورواياته، وبعد أن ربطت عودة زوجها إلى المنزل بمعاودة زياراته هو الآخر، وعاد الغائب المريض مطأطيء الرأس كالمهزوم. شاعرا بضآلته أمامها، ولم تتكلم. لم ترحب به، بل استقبلته في صمت وبرود، فهو بالنسبة لها لم يعد زوجا، لكن عليها مهمة ستؤديها نحوه فقط كما طلب منها والديها، ستؤديها من أجل ابنها الوحيد، وقامت بواجبها على أكمل وجه في رعاياته وتمريضه، وكان أيمن يأتي لزيارته كل أسبوع تقريبا، وأحيانا مرتين في الأسبوع ليطمئن عليه ويطلعه على مستجدات العمل بالشركة، والمهم بالنسبة لها الرواية التي يمنحها لها كهدية من السماء، الرواية التي تفرح بها كفرحة طفل صغير بلعبة ينتظرها ويتمناها، ولكن أحقاً كانت تنتظر الرواية فقط؟ أم أنها كانت تنتظره هو؟ هذا هو السؤال الذي تهربت من الإجابة عنه بينها وبين نفسها، لكن الأمر بات جلياً واضحاً لا يفيد معه الهروب. وبالتدريج بدأ زوجها يستعيد صحته، وبدأ أيضا في استعادة حياته السابقة كما كانت، لم يغيره المرض. لم يتعظ أو يندم على ما فعله بها وبابنه، وبدأ يعود لعلاقاته كالسابق، فتسمعه أحيانا يهمس بكلمات غزل في الهاتف، وبدأت هي تضيق وتشمئز منه ومن تصرفاته، ولم تعد تطيقها. لا إنها لن تتحمل تلك الحياة مرة أخرى. لقد عرفت معنى الكرامة والاستقلال حين عاشت وحدها، فما الذي يعيدها للذل مرة أخرى. ستطلب الطلاق هذه المرة وستصر عليه مهما كلفها الأمر. ابنها لا يحتاج إلى أب مستهتر كهذا، ومن الأفضل أن يتربى بعيدا عنه، وهو لم ولن يقصر في الإنفاق عليه فهو يعطي المال لكن لا يعطي المشاعر أو الاهتمام. وطاف أيمن بخيالها حين فكرت في الطلاق، ولم تخجل تلك المرة أن تصارح نفسها بحبها له، لم تخجل من أن تتمنى بينها وبين نفسها أن يكون زوجا لها وأباً بديلا لابنها. إنه نعم الأب ونعم الزوج، ثم إنه لم يتزوج حتى الآن، ومن الواضح أنه يهتم بها. إنها بالنسبة له ليست مجرد زوجة قريبه، فليس من المعقول أن يكون يعامل كل زوجات أقربائه بهذه الطريقة ويمنحنهن هذا الاهتمام والروايات الجميلة. إنها بالتأكيد تمثل له شيئا مختلفا عن الجميع، لكنها في ذات الوقت زوجة ابن خالته، وهو إنسان نبيل ومهذب لا يستطيع أن يبوح بالحب لزوجة قريبه ورئيسه في العمل طبعا، لكنه يمنحها ابتسامة خاصة جدا كلما رآها ابتسامة تفهمها كل امرأة بالطبع. ربما لو طلقت من ابن خالته لصارحها بحبه ورغبته في الارتباط بها. حتى لو ترك العمل عنده، فليس ذلك مهما بالنسبة له. إنه يستطيع أن يعمل بمفرده ويؤسس شركة خاصة به بعيدا عن زوجها. ربما كان ينتظر أن تبادر هي بطلب الطلاق، وفعلا قررت ان تطلب الطلاق وتلح في طلبه هذه المرة. ويوم أن قررت ذلك حدث شيئا غير معتاد. لم يأت أيمن لموعد الزيارة الأسبوعية كعادته فتعجبت، ولكن خشيت إن سألت زوجها عن السبب أن تلفت نظره، لكنها سرعان ما أدركت أن السبب يرجع إلى أن زوجها استعاد صحته بشكل كبير وأصبح يذهب لمباشرة عمله من وقت لآخر، ولم يعد هناك داعٍ لزيارة أيمن له أسبوعيا. ومر أسبوع وراء أسبوع وهو لا يأتي، وهي يستبد بها القلق، وتتردد في البوح لزوجها بطلب الطلاق حينا وتصر عليه حينا آخر. إلى أن عاد زوجها في يوم من عمله ومعه فستان سهرة راقِ وغالي الثمن، ويبدو من مظهره أنه أحضره لمناسبة مهمة، ونادى عليها وطلب منها أن تقيس الفستان. لماذا هذه المرة بالذات يشتري لها فستانا بنفسه؟ إنه لم يفعلها من قبل. غاية ما كان يفعل أن يمنحها المال ويقول لها اشتري ما تشائين دون أن يعيرها اهتماما لا بها ولا بذوقها في اختيار الملابس، وتعجبت هي وسألته ما مناسبة هذا الفستان؟ ونزل عليها الرد كالصاعقة: كتب كتاب أيمن اليوم وأريدك أن تظهري بأحسن صورة. ظلت لدقيقة صامتة شاخصة البصر ولا تنطق بكلمة، فنهرها وقال: مالك تقفين هكذا كالصنم؟ ألم تسمعي ما قلت؟ ماذا أصابك؟ جربي الفستان وقيسيه حتى إذا لم يكن مقاسه مضبوطا نستطيع استبداله من المحل الآن، فمازال لدينا وقت. إنها أول مرة يشتري لها فيها فستانا بنفسه، ويالسخرية القدر اشتراه لتحضر به زواج من أحبه قلبها. من تمنته لنفسها. ظلت صامتة ولم ترد عليه، وظل هو يصيح فيها بعصبية، إلى أن دخلت غرفتها وأغلقت الباب وألقت بنفسها على الفراش، وشعرت بطعنات في صدرها كأنها موجهة إليها بنصل سكين حاد شديد الإيلام، وأغمضت عينيها من شدة الألم، وبدأ صوت زوجها يخفت شيئا فشيئا، كما بدأ الألم أيضا يخفت تدريجيا إلى أن توقف تماما، وانقطع الخيط الحريري الذي كان يربطها بالحياة

باقة الورد قصة بقلم / أمنية معتز سالم


  • كان عبد الله طبيبًا ناجحًا استطاع أن يصنع له اسما في سنوات ليست بالكثيرة، واستطاع أن يحصل على الماجستير ثم الدكتوراة قبل أن يتجاوز الثانية والثلاثين عمره، وأصبح طبيبُا استشاريًا معروفُا، يعمل بمستشفى وله عيادة خاصة، وكان زميله في المستشفى عمر تخرج في نفس دفعته ولكن بتقدير جيد فقط وبالكاد حصل على الماجستير مؤخرا، ولسوء حظه أن تخصصه هو نفس تخصص عبد الله، فكان المرضى يأتون بالعشرات في اليوم الواحد لعبد الله، بينما عمر يأتي له مريضين أو ثلاثة على الأكثر، بل أحيانا يمضي يوم أو يومين دون أن يأتي إليه مريض واحد. عبد الله كان متأكدًا أن عمر لا يحبه ويغار منه، رغم أنه كان يتظاهر بعكس ذلك، ولم يكن دافع الغيرة هو النجاح المهني والمستوى المادي فقط، بل أيضا أن عبد الله كان متزوجًا من امراة جميلة وابنة رجل مشهور وثري، بينما عمر لم يستطع حتى الآن ان يتقدم لخطبة أي فتاة بسبب ظروفه المادية، وكم حاول مرارًا أن يجد عقد عمل خارج مصر، لكن محاولاته جميعها باءت بالفشل. تفاجأ عبد الله ولأول مرة بباقة ورد تأتي له في المستشفى في يوم عيد ميلاده، والكارت المصاحب للباقة مكتوب عليه بالآلة الكاتبة وليس بخط اليد (أحبك يا طبيبي العزيز). كانت مفاجأة وصدمة محرجة طبعًا لعبد الله، والذي كان مشهورًا بأدبه وحسن سلوكه مع المرضى، ولم تُقدم فيه أي شكوى من قبل، ولم تتهمه أبدُا أي مريضة بمغازلتها أو سوء سلوكه معها، وما كان من إدارة المستشفى إلا أن وجهت له لفت نظر فورًا، مع تعنيف شديد اللهجة. وفي طريق عودته إلى المنزل قرر ألا يخبر زوجته عما حدث حتى لا يضايقها، لكن كانت هناك صاعقة أخرى تنتظره في المنزل، فقابلته زوجته بوجه عابس غاضب، وأول ما لمح وهو يلج إلى داخل الشقة بوكيه ورد مطابق للذي أتاه على المستشفى، وقدمت له زوجته الكارت مكتوبُا عليه أيضًا نفس العبارة التي كانت على كارت الباقة الأخرى. حاول عبد الله أن يقنعها أنه بريء ولا يعرف من أرسلت له الورد، وأكد لها أنها أرسلت باقة أخرى على المستشفى، وربما كان غرضها مضايقته أو الوقيعة بينه وبين زوجته، وكذلك بينه وبين إدارة المستشفى. إلا أن دفاعه ومبرراته لم تلق تصديقا كافٍ لدى زوجته التي كانت تحبه وتغار عليه جدًا. انقلبت حياته مع زوجته إلى جحيم بعد ذلك اليوم وخلافات مستمرة، وانقلبت عليه أيضا إدارة المستشفى، وأصبحت تتعامل معه بحذر وتضعه تحت المراقبة. وفي يوم عيد زواجه اكتملت الكارثة بباقة جديدة مكتوب عليها (ابنتك تشتاق إليك يا طبيبي الحبيب)، وهنا قررت إدارة المستشفى رفده رفدًا نهائيًا، وفي طريق عودته إلى البيت كان يتوقع ما ينتظره، وتوقع باقة أخرى مماثلة وكارت عليه نفس العبارة، توقع أن تطلب زوجته الطلاق هذه المرة. وفعلا وجد الباقة والكارت، لكن لم يجد زوجته، بل وجد ورقة مكتوبًا عليها لا مكان لي في هذا البيت مع رجل خائن، أرجوك طلقني. وباءت كل محاولات الشرح والإقناع بالفشل، وأصرت زوجته ووالدها على الطلاق، وتم لها ما أرادت، وساءت حالته النفسية، بل حتى عيادته الخاصة لم يعد يأتي إليها الكثير من المرضى كالسابق، فأغلب المرضى علموا بأمر رفده من المستشفى. وقرر عبد الله أن يترك البلد ويغادر إلى مكان آخر لا يعرفه فيه أحد، حتى ينسى ويبدأ حياته من جديد. لكن الصدمات لم تتركه، فتفاجأ بأخبار زواج طليقته من زميله عمر، ويالها من مفاجأة فتحت لتفكيره أفاقًا جديدة لم يكن ليتطرق إليها من قبل، فقد أدرك بحدسه أن زميله كان وراء كل تلك الأحداث، ووراء باقات الورد مجهولة الهوية، لقد فعل ذلك ليأخذ مكانه في المستشفى، وليتقرب إلى زوجته ويتزوجها؛ لينعم بثروتها وتفتح له عيادة طبعا، لكن من سيصدقه إذا قال ذلك، أين الدليل على أن عمر هو من خطط لكل هذه الأحداث؟، ولم يجد فائدة من التفكير، فقرر أن يفوض أمره إلى الله، ولكن مهلا .. لم لا يرد الصاع صاعين إلى غريمه؟ .. لم لا ينتقم منه بنفس الطريقة حتى يشفي غليله؟.. وقرر أن يفعل ذلك بالفعل، واستعان بأحد أصدقائه المقربين والموثوق فيهم ليقوم بالمهمة في مصر وينبئه بالأخبار. وكان له ما أراد، وحصل عمر على لفت نظر أيضا في العمل كما حدث مع عبد الله من قبل، لكن إدارة المستشفى بدأت تنتبه إلى أن الأمر فيه خديعة ومحاولة للإساءة إلى أطباء المستشفى، وأدرك مدير المستشفى أنه أخطأ حين رفد عبد الله، وبدأ يحاول أن يتصل به ليعيده إلى مكانه ويقدم له اعتذارًا رسميًا. أما عن الزوجة فقد أدركت هي الأخرى أن في الأمر خدعة، بما أنه تكرر مع زوجها الجديد، أدركت كم كانت مخطئة حين صدقت أن زوجها خائن وله ابنة من امرأة أخرى .. أدركت الجريمة التي ارتكبتها في حق نفسها حين تركت زوجها الذي تحبه واقترنت بآخر لا تكن له أي مشاعر لمجرد أنها أرادت أن ترد الصاع صاعين لزوجها الأول، وتنتقم لكبريائها.. وتذكرت أن عمر أكد لها أن زوجها له علاقة سرية بامرأة، وله منها طفلة يخفيها عن العيون .. لو لم يكن عمر ضالعًا في الأمر ما كان قال لها ذلك.. ولكن عمر نفسه حدث معه ما حدث مع عبد الله، وأُرسلت إليه باقات الورود كما كانت تُرسل إلى عبد الله على البيت والمستشفى، وأثناء حيرتها وتفكيرها الطويل سمعت رنين هاتف عمر الذي كان في الحمام، فردت، لتجد فتاة تسألها عن الدكتور عمر وتخبرها أنها من محل ورد يدعي (...) وأنها تسأل عن الدكتور عمر لأنه كان زبونا لديهم، ومضى وقت طويل دون أن يشتري منهم وردًا، وعلى الفور تذكرت أن اسم المحل هو نفس الاسم الذي كانت تأتي منه باقات الورود، وبمنتهى السرعة قلبت في الهاتف لعلها تجد دليلًا آخر، لكنها وجدت أدلة أخرى على خيانته، وصورًا خليعة له مع فتيات وسيدات، وأدركت ان لحظة الانتقام لنفسها ولزوجها الأول قد حانت، وأخذت الهاتف بسرعة واتجهت إلى المستشفى لتقابل المدير..
  • November 27