ليلة حزينة شديدة السواد مرت عليها. لم تر مثلها منذ عام على الأقل. منذ أن رحل وقرر أن يتركها هي وابنه ليتزوج بالحسناء ذات العشرين عاما ويمنحها كل اهتمامه وماله ووقته. كانت صدمة في البداية بالنسبة لها. كانت تعلم بعلاقاته النسائية المتعددة منذ أن تزوجته وقبل أن تتزوجه، وبمرور الوقت لم تكن تبالي. حقا لم تكن تبالي لأنها لم تكن تحبه، ولم يمثل بالنسبة لها زوجا حقيقيا. إنها لم تختره بل اختاره والديها وضغطوا عليها لتقبل به. إنه عريس (لقطة) كما قالوا لها، فهو ثري وابن عائلة كبيرة ويملك عملا خاصا به، ولا يهم أنه يكبرها بحوالي خمسة عشر عاما. لم يكن فارق السن هذا عيبا ينتقص منه أمام والديها، ووافقت تحت الإلحاح، وتحت تأثير كلام والدتها التي كانت تقول لها لن يأتي لك شخص آخر بمثل هذه المواصفات، وتزوجته وأنجبت ابنها الوحيد ومضت سبع سنوات دون جدوى. دون أدنى تغيير في صفاته أو أخلاقه. فاستمر في علاقاته النسائية المتعددة، وكان يأتي ليلا مخمورا أحيانا. تفوح منه رائحة عطر نسائي. لم يكن يأبه بمشاعرها أبدا. وكم اشتكت لوالديها وكم طلبت الطلاق، وكان الرد دائما اصبري حتى لا تصبحي امراة مطلقة. حتى لا تفقدي المستوى المادي الذي تعيشين فيه. اصبري كي تربي ابنك مع والده لا مع رجل آخر. لكنه هو من اختار الرحيل والزواج بأخرى. لم يكن حتى يعير ابنه سوى اهتمام ضئيل حين يأتي لزيارته مرة في الشهر ويجلس معه ساعة واحدة، ويمنحها الشهرية. كانت ساعة كئيبة بالنسبة لها. لقد أصبحت تكرهه ولا تطيق رؤيته ولا أنفاسه. تكره أن تسمع صوته وهو يتحدث مع ابنه بطريقة مصطنعة فيها تمثيل مزيف للحب والاهتمام، وللأسف الطفل البريء كان يصدقه وينتظر لقاءه الشهري بفارغ الصبر. هذا هو قلب الطفل المسكين الذي يحب والده، ولا يفكر أبدا في أن والده لا يحبه.
لماذا عاد؟ لماذا فُرض عليها أن تقبل بعودته رغم كرهها له؟ إنه لم يعد باختياره. لم يعد لأنه ندم على ترك زوجته وابنه؛ بل عاد لأنه مرض ولما اشتد عليه المرض ضاقت به زوجته الجديدة وطلبت الطلاق ونالت كل حقوقها المادية. اختارت أن تتركه في مرضه وتبحث عن زوج آخر معافاَ، رغم أنه ترك زوجته وابنه ليتزوجها، ورغم أنه تزوج عليها، إلا أنه رفض رفضا باتا أن يطلقها، ولم يطلقها وهي تربي له ابنه؟ وترعاه وتحمل عن كاهله تلك المسؤلية، فربما فكر أنه لو طلقها ستتزوج بآخر وتترك له الولد، وهو لا يريد ذلك العبيء طبعا وغير متفرغ له.
لقد مرت سنة اعتادت فيها أن تعيش بدونه وتأقلمت وشعرت بالراحة. شعرت بأنها سيدة المنزل حقا وسيدة نفسها، لكنه عاد ذليلا بسبب المرض لا أكثر، وطبعا أعطاها والداها درسا في الوفاء والإخلاص وما على الزوجة بنت الأصول من واجبات حتى لو أخطأ زوجها، وذكراها بأن ابنها يجب أن يتربى مع والده، وأنها يجب أن تتحمل من أجله؛ فقررت أن تتحمل كالعادة وأن تصبر كما طٌلب منها، ولكن مهلا هناك شيء وحيد مبهج في عودته. إنه أيمن ابن خالته ذلك الشاب الخلوق المهذب الذي يعمل لديه في الشركة؟، وكان يزوره من حين لآخر في البيت، وكان لزيارته وقع جميل في نفسها، فقد كان في كل زيارة يهديها رواية جميلة من مكتبته، وكانت تنتظرها بفارغ الصبر لتقرأها وتعيش في داخل أحداثها وتسهر عليها عدة ليال حتى تنتهي منها. قد كان مهندسا لكنه محبا للشعر والأدب والفنون. إنسان خلوق مهذب راقِ في تعامله مع كل الناس، وكان يصغر زوجها بحوالي سبعة أعوام، ومع ذلك كان عكسه تماما. كان عاقلا رزينا لا يعاقر الخمر وليست له مغامرات نسائية. سبق أن خطب مرة واحدة وانفصل عن خطيبته منذ ثلاث سنوات تقريبا ومن وقتها لم يرتبط بأخرى.
كان أيمن الحسنة الوحيدة لوجود زوجها في البيت، فقد كانت الروايات التي يهديها لها هي الخيط الحريري الجميل الذي يربطها بالحياة ويشعرها أنها على قيدها، لكنه انقطع طبعا عن زيارتهم بعد أن ترك زوجها المنزل، وكان يكتفي أحيانا بأن يطمئن عليها هي والطفل بالتليفون مرة كل شهرين أو ثلاثة لدقائق معدودة.
وبدات تهدأ شيئا فشيئا بعد أن تذكرت أيمن ورواياته، وبعد أن ربطت عودة زوجها إلى المنزل بمعاودة زياراته هو الآخر، وعاد الغائب المريض مطأطيء الرأس كالمهزوم. شاعرا بضآلته أمامها، ولم تتكلم. لم ترحب به، بل استقبلته في صمت وبرود، فهو بالنسبة لها لم يعد زوجا، لكن عليها مهمة ستؤديها نحوه فقط كما طلب منها والديها، ستؤديها من أجل ابنها الوحيد، وقامت بواجبها على أكمل وجه في رعاياته وتمريضه، وكان أيمن يأتي لزيارته كل أسبوع تقريبا، وأحيانا مرتين في الأسبوع ليطمئن عليه ويطلعه على مستجدات العمل بالشركة، والمهم بالنسبة لها الرواية التي يمنحها لها كهدية من السماء، الرواية التي تفرح بها كفرحة طفل صغير بلعبة ينتظرها ويتمناها، ولكن أحقاً كانت تنتظر الرواية فقط؟ أم أنها كانت تنتظره هو؟ هذا هو السؤال الذي تهربت من الإجابة عنه بينها وبين نفسها، لكن الأمر بات جلياً واضحاً لا يفيد معه الهروب.
وبالتدريج بدأ زوجها يستعيد صحته، وبدأ أيضا في استعادة حياته السابقة كما كانت، لم يغيره المرض. لم يتعظ أو يندم على ما فعله بها وبابنه، وبدأ يعود لعلاقاته كالسابق، فتسمعه أحيانا يهمس بكلمات غزل في الهاتف، وبدأت هي تضيق وتشمئز منه ومن تصرفاته، ولم تعد تطيقها. لا إنها لن تتحمل تلك الحياة مرة أخرى. لقد عرفت معنى الكرامة والاستقلال حين عاشت وحدها، فما الذي يعيدها للذل مرة أخرى. ستطلب الطلاق هذه المرة وستصر عليه مهما كلفها الأمر. ابنها لا يحتاج إلى أب مستهتر كهذا، ومن الأفضل أن يتربى بعيدا عنه، وهو لم ولن يقصر في الإنفاق عليه فهو يعطي المال لكن لا يعطي المشاعر أو الاهتمام. وطاف أيمن بخيالها حين فكرت في الطلاق، ولم تخجل تلك المرة أن تصارح نفسها بحبها له، لم تخجل من أن تتمنى بينها وبين نفسها أن يكون زوجا لها وأباً بديلا لابنها. إنه نعم الأب ونعم الزوج، ثم إنه لم يتزوج حتى الآن، ومن الواضح أنه يهتم بها. إنها بالنسبة له ليست مجرد زوجة قريبه، فليس من المعقول أن يكون يعامل كل زوجات أقربائه بهذه الطريقة ويمنحنهن هذا الاهتمام والروايات الجميلة. إنها بالتأكيد تمثل له شيئا مختلفا عن الجميع، لكنها في ذات الوقت زوجة ابن خالته، وهو إنسان نبيل ومهذب لا يستطيع أن يبوح بالحب لزوجة قريبه ورئيسه في العمل طبعا، لكنه يمنحها ابتسامة خاصة جدا كلما رآها ابتسامة تفهمها كل امرأة بالطبع. ربما لو طلقت من ابن خالته لصارحها بحبه ورغبته في الارتباط بها. حتى لو ترك العمل عنده، فليس ذلك مهما بالنسبة له. إنه يستطيع أن يعمل بمفرده ويؤسس شركة خاصة به بعيدا عن زوجها. ربما كان ينتظر أن تبادر هي بطلب الطلاق، وفعلا قررت ان تطلب الطلاق وتلح في طلبه هذه المرة. ويوم أن قررت ذلك حدث شيئا غير معتاد. لم يأت أيمن لموعد الزيارة الأسبوعية كعادته فتعجبت، ولكن خشيت إن سألت زوجها عن السبب أن تلفت نظره، لكنها سرعان ما أدركت أن السبب يرجع إلى أن زوجها استعاد صحته بشكل كبير وأصبح يذهب لمباشرة عمله من وقت لآخر، ولم يعد هناك داعٍ لزيارة أيمن له أسبوعيا. ومر أسبوع وراء أسبوع وهو لا يأتي، وهي يستبد بها القلق، وتتردد في البوح لزوجها بطلب الطلاق حينا وتصر عليه حينا آخر.
إلى أن عاد زوجها في يوم من عمله ومعه فستان سهرة راقِ وغالي الثمن، ويبدو من مظهره أنه أحضره لمناسبة مهمة، ونادى عليها وطلب منها أن تقيس الفستان. لماذا هذه المرة بالذات يشتري لها فستانا بنفسه؟ إنه لم يفعلها من قبل. غاية ما كان يفعل أن يمنحها المال ويقول لها اشتري ما تشائين دون أن يعيرها اهتماما لا بها ولا بذوقها في اختيار الملابس، وتعجبت هي وسألته ما مناسبة هذا الفستان؟ ونزل عليها الرد كالصاعقة: كتب كتاب أيمن اليوم وأريدك أن تظهري بأحسن صورة. ظلت لدقيقة صامتة شاخصة البصر ولا تنطق بكلمة، فنهرها وقال: مالك تقفين هكذا كالصنم؟ ألم تسمعي ما قلت؟ ماذا أصابك؟ جربي الفستان وقيسيه حتى إذا لم يكن مقاسه مضبوطا نستطيع استبداله من المحل الآن، فمازال لدينا وقت. إنها أول مرة يشتري لها فيها فستانا بنفسه، ويالسخرية القدر اشتراه لتحضر به زواج من أحبه قلبها. من تمنته لنفسها.
ظلت صامتة ولم ترد عليه، وظل هو يصيح فيها بعصبية، إلى أن دخلت غرفتها وأغلقت الباب وألقت بنفسها على الفراش، وشعرت بطعنات في صدرها كأنها موجهة إليها بنصل سكين حاد شديد الإيلام، وأغمضت عينيها من شدة الألم، وبدأ صوت زوجها يخفت شيئا فشيئا، كما بدأ الألم أيضا يخفت تدريجيا إلى أن توقف تماما، وانقطع الخيط الحريري الذي كان يربطها بالحياة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق