كان عبد الله طبيبًا ناجحًا استطاع أن يصنع له اسما في سنوات ليست بالكثيرة، واستطاع أن يحصل على الماجستير ثم الدكتوراة قبل أن يتجاوز الثانية والثلاثين عمره، وأصبح طبيبُا استشاريًا معروفُا، يعمل بمستشفى وله عيادة خاصة، وكان زميله في المستشفى عمر تخرج في نفس دفعته ولكن بتقدير جيد فقط وبالكاد حصل على الماجستير مؤخرا، ولسوء حظه أن تخصصه هو نفس تخصص عبد الله، فكان المرضى يأتون بالعشرات في اليوم الواحد لعبد الله، بينما عمر يأتي له مريضين أو ثلاثة على الأكثر، بل أحيانا يمضي يوم أو يومين دون أن يأتي إليه مريض واحد.
عبد الله كان متأكدًا أن عمر لا يحبه ويغار منه، رغم أنه كان يتظاهر بعكس ذلك، ولم يكن دافع الغيرة هو النجاح المهني والمستوى المادي فقط، بل أيضا أن عبد الله كان متزوجًا من امراة جميلة وابنة رجل مشهور وثري، بينما عمر لم يستطع حتى الآن ان يتقدم لخطبة أي فتاة بسبب ظروفه المادية، وكم حاول مرارًا أن يجد عقد عمل خارج مصر، لكن محاولاته جميعها باءت بالفشل.
تفاجأ عبد الله ولأول مرة بباقة ورد تأتي له في المستشفى في يوم عيد ميلاده، والكارت المصاحب للباقة مكتوب عليه بالآلة الكاتبة وليس بخط اليد (أحبك يا طبيبي العزيز).
كانت مفاجأة وصدمة محرجة طبعًا لعبد الله، والذي كان مشهورًا بأدبه وحسن سلوكه مع المرضى، ولم تُقدم فيه أي شكوى من قبل، ولم تتهمه أبدُا أي مريضة بمغازلتها أو سوء سلوكه معها، وما كان من إدارة المستشفى إلا أن وجهت له لفت نظر فورًا، مع تعنيف شديد اللهجة.
وفي طريق عودته إلى المنزل قرر ألا يخبر زوجته عما حدث حتى لا يضايقها، لكن كانت هناك صاعقة أخرى تنتظره في المنزل، فقابلته زوجته بوجه عابس غاضب، وأول ما لمح وهو يلج إلى داخل الشقة بوكيه ورد مطابق للذي أتاه على المستشفى، وقدمت له زوجته الكارت مكتوبُا عليه أيضًا نفس العبارة التي كانت على كارت الباقة الأخرى.
حاول عبد الله أن يقنعها أنه بريء ولا يعرف من أرسلت له الورد، وأكد لها أنها أرسلت باقة أخرى على المستشفى، وربما كان غرضها مضايقته أو الوقيعة بينه وبين زوجته، وكذلك بينه وبين إدارة المستشفى. إلا أن دفاعه ومبرراته لم تلق تصديقا كافٍ لدى زوجته التي كانت تحبه وتغار عليه جدًا.
انقلبت حياته مع زوجته إلى جحيم بعد ذلك اليوم وخلافات مستمرة، وانقلبت عليه أيضا إدارة المستشفى، وأصبحت تتعامل معه بحذر وتضعه تحت المراقبة.
وفي يوم عيد زواجه اكتملت الكارثة بباقة جديدة مكتوب عليها (ابنتك تشتاق إليك يا طبيبي الحبيب)، وهنا قررت إدارة المستشفى رفده رفدًا نهائيًا، وفي طريق عودته إلى البيت كان يتوقع ما ينتظره، وتوقع باقة أخرى مماثلة وكارت عليه نفس العبارة، توقع أن تطلب زوجته الطلاق هذه المرة.
وفعلا وجد الباقة والكارت، لكن لم يجد زوجته، بل وجد ورقة مكتوبًا عليها لا مكان لي في هذا البيت مع رجل خائن، أرجوك طلقني.
وباءت كل محاولات الشرح والإقناع بالفشل، وأصرت زوجته ووالدها على الطلاق، وتم لها ما أرادت، وساءت حالته النفسية، بل حتى عيادته الخاصة لم يعد يأتي إليها الكثير من المرضى كالسابق، فأغلب المرضى علموا بأمر رفده من المستشفى.
وقرر عبد الله أن يترك البلد ويغادر إلى مكان آخر لا يعرفه فيه أحد، حتى ينسى ويبدأ حياته من جديد.
لكن الصدمات لم تتركه، فتفاجأ بأخبار زواج طليقته من زميله عمر، ويالها من مفاجأة فتحت لتفكيره أفاقًا جديدة لم يكن ليتطرق إليها من قبل، فقد أدرك بحدسه أن زميله كان وراء كل تلك الأحداث، ووراء باقات الورد مجهولة الهوية، لقد فعل ذلك ليأخذ مكانه في المستشفى، وليتقرب إلى زوجته ويتزوجها؛ لينعم بثروتها وتفتح له عيادة طبعا، لكن من سيصدقه إذا قال ذلك، أين الدليل على أن عمر هو من خطط لكل هذه الأحداث؟، ولم يجد فائدة من التفكير، فقرر أن يفوض أمره إلى الله، ولكن مهلا .. لم لا يرد الصاع صاعين إلى غريمه؟ .. لم لا ينتقم منه بنفس الطريقة حتى يشفي غليله؟.. وقرر أن يفعل ذلك بالفعل، واستعان بأحد أصدقائه المقربين والموثوق فيهم ليقوم بالمهمة في مصر وينبئه بالأخبار.
وكان له ما أراد، وحصل عمر على لفت نظر أيضا في العمل كما حدث مع عبد الله من قبل، لكن إدارة المستشفى بدأت تنتبه إلى أن الأمر فيه خديعة ومحاولة للإساءة إلى أطباء المستشفى، وأدرك مدير المستشفى أنه أخطأ حين رفد عبد الله، وبدأ يحاول أن يتصل به ليعيده إلى مكانه ويقدم له اعتذارًا رسميًا.
أما عن الزوجة فقد أدركت هي الأخرى أن في الأمر خدعة، بما أنه تكرر مع زوجها الجديد، أدركت كم كانت مخطئة حين صدقت أن زوجها خائن وله ابنة من امرأة أخرى .. أدركت الجريمة التي ارتكبتها في حق نفسها حين تركت زوجها الذي تحبه واقترنت بآخر لا تكن له أي مشاعر لمجرد أنها أرادت أن ترد الصاع صاعين لزوجها الأول، وتنتقم لكبريائها.. وتذكرت أن عمر أكد لها أن زوجها له علاقة سرية بامرأة، وله منها طفلة يخفيها عن العيون .. لو لم يكن عمر ضالعًا في الأمر ما كان قال لها ذلك.. ولكن عمر نفسه حدث معه ما حدث مع عبد الله، وأُرسلت إليه باقات الورود كما كانت تُرسل إلى عبد الله على البيت والمستشفى، وأثناء حيرتها وتفكيرها الطويل سمعت رنين هاتف عمر الذي كان في الحمام، فردت، لتجد فتاة تسألها عن الدكتور عمر وتخبرها أنها من محل ورد يدعي (...) وأنها تسأل عن الدكتور عمر لأنه كان زبونا لديهم، ومضى وقت طويل دون أن يشتري منهم وردًا، وعلى الفور تذكرت أن اسم المحل هو نفس الاسم الذي كانت تأتي منه باقات الورود، وبمنتهى السرعة قلبت في الهاتف لعلها تجد دليلًا آخر، لكنها وجدت أدلة أخرى على خيانته، وصورًا خليعة له مع فتيات وسيدات، وأدركت ان لحظة الانتقام لنفسها ولزوجها الأول قد حانت، وأخذت الهاتف بسرعة واتجهت إلى المستشفى لتقابل المدير..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق