بدأت الأعراض الغريبة تظهر عليه بعد وفاتها بعدة أيام. بعد وفاة نسرين أخته في حادث سيارة أليم وهي تعبر الطريق أمام المنزل، وكان هو واقفا في الشرفة يراقبها وهي تركض وتعبر الطريق بسرعة جنونية دون أن تلتفت إلى السيارات. كانت تهرب من بطشه وقسوته ومن ضربه المبرح لها ليجبرها على ان تتزوج العريس الذي اختاره لها. السكير الذي يتعاطى المخدرات. أراد أن يزوجها له لأنه ثري ولأن زوجته الحقودة أرادت أن تتخلص من نسرين بأي طريقة وتخرجها من البيت لتنفرد هي بالمنزل وتصبح سيدته وحدها، رغم أنه ليس منزل المحروس زوجها وحده بل منزله هو وأخته ورثاه عن أبيهما رحمه الله، وماتت أمه بعد والده بعامين وكانت نسرين لا تزال طالبة في المرحلة الثانوية وهو يكبرها بعشر سنوات. قرر أن يتزوج ويأتي بعروسه إلى منزل العائلة ولم لا وهو منزل فسيح، وأخته الصغيرة لن تعترض على ذلك، فهي فتاة صغيرة طيبة مغلوبة على أمرها تحب أخاها ولكنه لا يحب إلا نفسه فقط وزوجته المسيطرة.
لكن الأمور لم تسر على ما يرام بين الزوجة والأخت، فالزوجة ليست جميلة ونسرين كانت رائعة الجمال، وكان ذلك منبعا أساسيا لحقد زوجته عليها، واختلاقها للمشاكل معها دون مبرر، وكان الأخ المحترم دائما ينصف زوجته على حساب أخته، حتى معاشها عن والدها كان يأخذه بالكامل بحجة أنه يطعمها وينفق عليها، وكان يعطيها منه مصروفا بسيطا، وإذا أرادت أن تشتري شيئا لنفسها فعليها أن تطلب منه ويعرض الأمر على زوجته وهي من تقرر نعم أم لا.
سارت الأمور على هذا الحال إلى أن تخرجت نسرين في كلية الحقوق وأرادت أن تتمرن على المحاماة في مكتب محام قريب لهم، فازداد حقد الزوجة التي لم تكمل دراستها عليها، وصممت على أن تُزوجها لأول عريس ميسور الحال يتقدم لها، حتى تترك المنزل لها، وحتى لا تستمر في العمل.
واستمر الأخ في ضغطه عليها تارة بالإقناع وتارة أخرى بالسباب والضرب، وطلبت منه زوجته أن يمنعها من العمل أو الخروج نهائيا، وكذلك لم يسمحوا لها باستخدام الهاتف حتى لا تشكو لخالها وتستنجد به من الظلم الذي يقع عليها.
وفي غفلة من أخيها وزوجته قررت أن تترك المنزل وتذهب إلى بيت خالها، لكن أخاها استيقظ ورآها عند باب الشقة، فجحظت عيناه من الغضب وانهال عليها ضربا وصفعا، واستطاعت أن تفر من بين يديه ونزلت مسرعة وعبرت الشارع ركضا وحدثت الكارثة، وصدمتها سيارة مسرعة أردتها قتيلة في الحال، والأخ كان يرقبها من الشرفة في ذهول بعد أن سمع صوت صراخ المارة في الشارع، وكأنه لا يصدق ما حدث، وكأنه استيقظ فجأة من غفلته وأدرك ما فعله بأخته، وأدرك أنه هو قاتلها الحقيقي وليس قائد السيارة المسرعة، وفجأة اشتعلت عاصفة بداخله، عاصفة من الحزن والغضب من زوجته، والشعور بالذنب والندم على ما فعله بأخته، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينهال على زوجته بالصفعات، ثم أجهش بالبكاء.وكان يبكي طوال مراسم الجنازة والعزاء. ولم ينم إلا قليلا في الأسبوع الأول بعد الحادث.
ثم بدأ العذاب الحقيقي، فكلما غفا رأى نفس الحلم المزعج، ورأى نسرين مخضبة بالدماء تحت عجلات السيارة، فيهب من نومه صارخا كطفل صغير أزعجه كابوس. واستمر الحال هكذا عدة أسابيع، وهو لا يستطيع النوم إلا قليلا، أو بمعنى أصح يخاف أن ينام حتى لا يرى الحلم المزعج، وتطور الأمر إلى درجة أصعب من ذلك، فبات لا يستطيع النظر إلى ابنته الصغيرة لأنها تشبه نسرين إلى حد كبير، فأصبح يهرب منها كلما رآها، وفي ذات صباح وهو ينظر في المرآة رأى نسرين أمامه ففر مذعورا من أمام المرآة، وتكرر الأمر حتى أنه أصبح يخاف أن يقوم بحلاقة ذقنه حتى لا يراها كلما نظر في المرآة، ثم أصبح يصرخ كلما رأى زوجته أمامه ويراها نسرين. حتى زميلاته في العمل كلهن نسرين، حتى الفتيات والنساء في الشارع جميعهن نسرين، وانقطع عن العمل في إجازة مرضية طويلة، واحتار أكثر من طبيب نفسي في علاجه دون جدوى، وأصبح يرى دماءً على الحوائط وعلى الأرض وعلى الفراش، فيصرخ مذعورا ويطلب من زوجته تنظيف المكان، وهي تصرخ فيه: لقد مللت منك.. لقد أصابني الجنون أنا الأخرى.. لم أعد أطيقك..، ولم يقتصر الأمر على رؤية نسرين وهي مضرجة بالدماء بل أصبحت تحدثه ويرد عليها، تلومه وتعاتبه وتؤنبه، وهو يصرخ مدافعا عن نفسه: لم أقتلك.. لم أقتلك.. لم أكن أعرف أن الأمر سيصل إلى هذا الحد.. أرجوكي دعيني.. اتركيني أنام.. لا أريد أن أراك.. وتضحك هي ضحكة عالية وتقول: ستراني طالما حييت.. لن أتركك لحظة واحدة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق