الأربعاء، 11 يناير 2017

إنها لا ترى الرجال - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

إنني لا أرى غيرك، وماعداك كلهم أشباح سوداء كئيبة. أفر حين أراهم وأركض بكل قوتي بعيدًا عنهم، هل أصابتني لوثة عقلية؟ أم أنها حالة نفسية اقتحمت أعماقي رغمًا عني لتمنعني أن أكون لأي رجل آخر؟ وماذا عليَ أن أفعل إذن، إنهم لا يريدونك، ويصرون على أن أكون لغيرك، وكلما حاولوا أن يقحموا أي آخر في حياتي تجلت لدي الحالة الغريبة، ولا أرى سوى شبحًا أسود، هل أتزوج شبحًا لأرضيهم؟ كيف أقنعهم أن ما يحدث لا حيلة لي فيه؟، إن والدي يظن أنني أدعي تلك الحالة كي أهرب من الزواج، ومهما ظللت أبكي أمامه وأحاول أن أشرح له أن كل ما يحدث هو رغمًا عني، إلا أن الأمر لا يجدي معه، ينهرني .. يسبني .. وأحيانًا يضربني، ولكن دون جدوى.

أنا لست ابنة عاق كي أتزوجك رغما عن أبي، ولست بلا مشاعر أو قلب كي أتزوج رجلاً آخر لا أحبه، بل أراه شبحًا أسود. أنا لا أدري ماذا في وسعي أن أفعل، ولن أطلب منك الانتظار، ربما تنتظر بقية حياتك دون جدوى.

سافر إذا أردت .. تزوج إذا أردت .. أما أنا فلن أتزوج غيرك أبدًا حتى لو لم أتزوج أبدًا.. لا تنتظرني .. لكنني سأنتظرك .. سأنتظر حدوث معجزة إلهية تجمعنا مرة أخرى .. كن مطمئنًا فكل الرجال عندي أشباح ماعداك.

كان هذا هو خطابها الأخير الذي وصله قبل أن يقرر السفر والهجرة من مصر، ولم يبلغها عنه سوى أخبار شحيحة .. كانت تلك الأخبار تطمئنها وتزيد من عذابها في آن واحد .. إلى أن علمت بزواجه بعد ثلاث سنوات من سفره، هو نفسه انتظر هذه السنوات على أمل أن يتغير شيء .. ولكن دون جدوى.

استمرت الحالة ذاتها معها كلما أتى إليها خاطب، ويأس والداها من زواجها، وكفا عن الإلحاح، بل بات والدها يشعر بالندم على ما فعله نحوها، وعلى حرمانها من حبيبها الوحيد، وفي الوقت الذي فكر فيه في الموافقة عليه وكاد يصارحها بتغيير رأيه، كانت هي قد علمت بزواجه، فازداد شعور والدها بالألم الصامت نحوها، واستحال هذا الألم الصامت مرضًا أخذ يفتك به شيئًا فشيئًا، حتى كانت النهاية.

أصبحت والدتها دائمة النظر إليها في حسرة لم تعد تطيقها، فكانت تهرب من نظراتها وتجلس في غرفتها وحيدة أغلب الوقت، إنها رغم حزنها وضعفها لا تريد أن ترى نظرات الحسرة في عيون الآخرين حتى لو كانت عيون والدتها.

إلى أن توفيت والدتها هي الأخرى، وتركتها وحيدة، فإخوتها يزورونها في الأعياد وربما اطمئنوا عليها مرة كل شهر عبر الهاتف في محادثة فاترة باهتة منزوعة المشاعر .. مجرد واجب روتيني ثقيل يؤدى كتمثيلية فاشلة مملة وقبيحة.

بالصدفة بعد خمس وعشرون عاما من سفره قابلت أخته، وعلمت منها أنه عاد إلى مصر واستقر فيها استقرارًا نهائيًا وأنه انفصل عن زوجته الأوروبية، منذ عدة سنوات، وابنه تخرج في الجامعة ويعيش في بلد والدته ويعمل هناك، ويأتي لزيارة والده مرة كل عدة أشهر.

أخبرته أخته إنه أراد أن يتصل بها ولكنه علم بأنها انتقلت إلى عنوان آخر من زمن، ولم يعرف رقم هاتفها، وظل يبحث مرارًا دون جدوى .. أخبرتها أنه مازال يحبها وأنه مازال يريد الارتباط بها .. فوافقت على الفور دون تردد والفرحة تقفز من عينيها كفتاة صغيرة في العشرين، ولأول مرة حين يتقدم لها خاطب تراه في صورته الحقيقية تراه إنسانًا وليس شبحًا أسود.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

اللقاء المزدوج - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

2, 8:21am
أمنية معتز سالم


في صباح يوم خريفي يتأرجح بين لسعة برد خفيفة ودفء شمس خريفية تشرق وتختفي في استحياء كان موعدها مع العريس المنتظر، الموعد الذي وافقت عليه بعد إلحاح من أهلها، وبعد أن فكرت بعقلها قليلا لأول مرة لا بقلبها، لم لا وقد مر ثلاث سنوات دون أن تراه أو تحدثه أو تسمع عنه خبرا، لعلها فرصة جيدة لتطوي صفحة الماضي، ربما كان الحاضر لابأس به لكنها لا تراه لأن عينيها مغلقة فقط على الماضي، اختارت موعدا غريبا للقاء العريس في العاشرة صباحا في شرفة الفندق الشهير المطل على حدائق المنتزة بجمالها وسحرها وعلى شاطيء البحر، إنها اختارت أن تواجه الألم لآخر مرة، اختارت أن تجرب تعذيب نفسها بالذكريات، فإذا اجتازت ألم الذكريات استطاعت أن تبدأ حياة جديدة مع العريس الجديد أو مع غيره لا مشكلة، لكن المهم أن تتغلب على الألم. تعجب الجميع من اختيارها موعد ومكان اللقاء لكنهم وافقوا أمام إصرارها، وبدأ اللقاء تقليديا باهتا مغلفا بحديث محفوظ مسبقا لا يختلف عن أي حديث يجري في مثل تلك اللقاءات. حوار لا يحتاج إلى جهد او تركيز أو البحث عن إجابات منمقة، فكلها أسئلة وإجابات معتادة، وكلمات مجاملة معتادة. اعتادت هي الرد عليها دون اهتمام زائد ودون تجاهل في ذات الوقت. كانت ترد بلسانها وعقلها وروحها وقلبها وعينيها يجوبون المكان في شوق وحزن وسعادة في آن واحد. إنها سعادة الذكريات القديمة التي ربما لن تعود أبدا. سعادة مغلفة بالألم يعرفها المحبون معرفة تامة، وبدأ يتسلل إلى نفسها شعور غريب بالفرح. شعور لم تكن تعرف مصدره. إحساس قلبي مفاجيء بسعادة مجهولة، ولكن من أين؟ أمن العريس الجديد الذي لا يختلف كثيرا عن سابقيه في الشخصية والشكل وطريقة الكلام؟! غير معقول طبعا. إنها منذ افترقت عنه لا تجد فرقا بين رجل وآخر. كلهم سواء عندها تقريبا، وطالما أهلها يريدونها أن تتزوج، فستتزوج برجل كباقي الرجال لا تشعر بقربه بسعادة أو حزن. لا تشعر بأن حديثه له وقع مميز في أذنيها، أو أن ابتسامته لا تشبه ابتسامة رجل آخر، أو أن نظرة عينيه لها تختلف عن نظرتهما لسائر البشر، فما سبب إحساس السعادة الخفي الذي يتسسل إلى نفسها شيئا فشيئا؟ هل يمكن أن يكون هو قد عاد؟ هل بدأت تهرب من ألم الذكريات إلى جنون الخيال اليائس؟ إنه غادر البلاد وأقسم ألا يعود طالما لن يستطيع أن يحيا معها. هاتفها يرن فجأة. إنه رقم غريب غير مسجل. هل ترد؟ هل تتجاهل الرد وتواصل الحديث الباهت مع الجالسين؟ فجأة قررت أن ترد. نعم إنه هو. لم يكن إحساس الفرح المفاجيء إحساسا كاذبا، بل حقيقيا. هو يبلغها بأنه عاد ويريد أن يراها. يخبرها بأنه بعد يأس من تحطيم العقبات قرر أن يتخطاها، كي يحيا معها إلى الأبد مهما كانت العواقب، وفي لحظة شعرت أنه أمامها ويحدثها ويبتسم لها. في لحظة اختفى كل الحاضرون من أمام عينيها ولم تر إلا غيره.

أختي المقتولة - الجزء الثاني والأخير - قصة بقلم / أمنية معتز سالم



  • أختي المقتولة - قصة بقلم / أمنية معتز سالم الجزء الثاني والأخير لم تندهش نورا من كلام هشام، لكنها نظرت إليه نظرة يشوبها بعض الخوف، لكن تبدو فيها الموافقة واضحة جلية، وردت قائلة: أخاف فقط أن يُكشف أمرنا، فابتسم ابتسامة راحة، وأدرك أنه نال ما أراد بدون عناء الإقناع، وأكد لها أن الأمر ليس صعبا، ولن يكشف أمرهما إذا دبرا الجريمة بشكل متقن، وأفهمها دورها جيدا، ألا وهو أن تضع مخدرا لأختها في أي مشروب، وهو سيأتي للمنزل متأخرا ليلا، وكل ما عليها أن تترك له الباب مفتوحا ليتسلل إلى غرفة نادين ويخنقها، ثم يحملها في سيارته ليدفنها عنده في العزبة، في حفرة عميقة جدا سيحفرها بنفسه في مكان لن يصل إليه أحد. فهمت نورا دورها جيدا وأخبرته بيوم إجازة عم مدبولي الجنايني، حتى يدخل الفيلا بسهولة دون أن يراه، أما عن الخادمة الصماء التي تعمل لدى الأختين، فأخبرته أنها ستضع لها المخدر هي الأخرى، وابتسم هشام وأثنى على تفكير نورا في هذا الأمر الذي فاته هو. حان الموعد المرتقب وتسلل هو إلى الفيلا، ووجد الباب مواربًا كما اتفق معها، وتسلل إلى غرفة نادين التي كانت نائمة نومًا عميقًا من تأثير المخدر، وخنقها ثم لفها بملاية السرير، ونزل في هدوء حتى وصل إلى سيارته، وذهب ليدفنها في الحفرة التي أعدها لها، وقبل أن يتم عملية الدفن، وجد رجال الشرطة خلفه، وقبضوا عليه وهو في حالة ذهول تام، يسأل نفسه: من أبلغهم؟! من اتصل بهم؟!، من شاهدني أصلا؟!، أنا لم أر أحدًا إطلاقا لا أثناء ذهابي ولا أثناء عودتي. أتكون نورا؟! نورا خانتني وأبلغت الشرطة؟! هل فعلت ذلك لتمتع بالثروة وحدها؟ لا غير ممكن، إنها تحبني إلى درجة العشق، ولا يمكن أن تفعل بي ذلك. أيام من التحقيقات وسماع الشهود في النيابة، وكانت المفاجأة حين شهد عم مدبولي ضده، رغم أن نورا أكدت له أنه في إجازة في ذلك اليوم، وقال أنه شاهده وهو خارجًا من الفيلا، ويحمل شيئًا ملفوفًا في ملاية السرير، ملاية سرير نادين تحديدًا، حتى الخادمة الصماء اتضح أنها ليست صماء بل كانت تسمع جيدا، وردت على كل أسئلة النيابة، وتم تحويل القضية إلى محكمة الجنايات بسرعة، حيث كانت كل الأدلة متوفرة والمجرم قبض عليه متلبسًا، وكانت المفاجأة الأكبر وهي شهادة نورا في النيابة، وأمام المحكمة، والتي أكدت فيها أنها شاهدته خارجًا من الفيلا، وتأكدت أنه كان يحمل أختها الملفوفة في الملاية، بعد أن دخلت غرفتها ولم تجدها؛ فأبلغت الشرطة على الفور، وتبعه رجال الشرطة إلى عزبته، حيث وجد متلبسًا بدفن الجثة. طوال جلسات المحكمة كان ينظر إلى نورا في ذهول، وهي تنظر إليه في تشفي وانتقام وشعور بالزهو والانتصار غير طبيعي، لا إنها ليست نورا، ليست هذه نظراتها أبدا، نورا نظراتها فيها ضعف وانكسار دائمًا، إنها نظرات نادين !! أيعقل أن يكون قد قتل نورا بدلاً من نادين؟!! لكن كيف؟ كل شيء جرى حسب الخطة المتفق عليها مع نورا، والغرفة التي دخلها غرفة نادين، والقتيلة التي قتلها هي نادين بالتأكيد، فما الذي قلب نورا هكذا إلى نادين أخرى؟!! لم يدرك المسكين أن الخادمة التي كانت تدعي الصمم كانت تعمل لحساب نادين، وتنقل لها كل أحاديثه مع نورا، وتتجسس عليهما بشكل دائم، وهما لم يكونا يباليان لوجودها أثناء الحديث بما أنها صماء. علمت نادين بالخطة كاملة من خادمتها مدعية الصمم، وقلبت السحر على الساحر. حكم على هشام بالإعدام، وبذلك نالت نادين الثروة كاملة، ليس ثروة نورا فقط، ولكن ثروة هشام أيضا، بما أنها أمام الناس زوجته نورا؛ فإنها سترثه بعد إعدامه. بقيت مشكلة بسيطة على نورا المزيفة أن تنتبه لها، وهي أن تسير متكأة على عصا نورا وتقلد مشيتها العرجاء قليلاً، إنها طبعا لن تظل عرجاء لبقية عمرها؛ فقد قررت أن تبيع كل ممتلكاتها بعد أن تتسلم الميراث كاملاً، ثم تغادر البلاد إلى الأبد، وهناك بالطبع لن تحتاج أن تظل تتظاهر بالعرج. نادين كرهت نورا وحقدت عليها، وأرادت أن تبعد هشام عنها؛ لأنها كانت تدرك مآربه جيدًا، ولكن رغم ذلك لم تفكر في قتل أختها، لكن نورا هي التي أرادت قتل نادين؛ فأدركت نادين أنه لا خيار أمامها سوى أن تكون قاتلة لا مقتولة.

أختي المقتولة - الجزء الأول - قصة بقلم: أمنية معتز سالم


  • نورا ونادين أختان توأمان. تتشابهان في الملامح إلى حد التطابق، وجه الاختلاف الوحيد بينهما أن نورا تعاني من عرج بسيط في ساقها نتيجة إصابتها بشلل الأطفال وهي صغيرة، لكن أوجه الاختلاف بينهما في الشخصية متعددة، فنوار طيبة رقيقة هادئة، لكن أبرز عيوبها أنه من الممكن أن يسيطر أي شخص عليها ويتحكم في شخصيتها ويطوعها كما يريد. أما نادين فهي القوية دائما صاحبة نصف ابتسامة وكأنها تبخل على من تبتسم له بابتسامة كاملة. تفكر دوما بعقلها، ولا مجال لأن تتحكم فيها مشاعرها. تفترض سوء النية دائما في الآخرين ولا تمنحهم ثقتها بسهولة، وإذا منحتها بعد اختبارات متعددة، فإنها لا تكون ثقة كاملة أبدا. هي دائما تعامل أختها بغلظة وجفاء، فلا مكان للمشاعر في قلبها، الفتاتان وحيدتان؛ فقد توفي والدهما وهما في التاسعة، وتوفيت الأم وهما في عمر السادسة عشر، وكانت خالتهما تشرف على تربيتهما وتعلميهما، إلى أن اشتد على زوجها المرض؛ فمكثت بجواره وكانت الفتاتان قد كبرتا، لكن نورا لم تكمل تعليمها الجامعي، وكانت بطيئة إلى حد ما في التحصيل الدراسي. استطاع هشام ابن صاحب العزبة المجاورة لهما أن يستولي على قلب نورا بسهولة، وكانت نادين دائما تحذرها منه، وتؤكد لها أنه طامع في ثروتها؛ فثروة أبيه لا تتجاوز ربع ثروة نورا، ورغم ذلك وقعت الفتاة المسكينة طيبة القلب في حب أول شاب عاملها بلطف، وقبلت خطبته بمنتهى السرعة، وسط ترقب وحذر وغضب من أختها، وشيء من الغيرة أيضا، فكيف يتركها وهي سليمة معافاة حاصلة على مؤهل جامعي، ويتقدم لأختها التي تتكيء على عصا ولم تكمل دراستها، ورغم أنها كانت تعرف أنه اختارها لضعفها وسهولة التحكم فيها إلا أنها كانت تغار. حاولت نادين التأثير على نورا أكثر من مرة من أجل أن تفسخ خطبتها، ولكن دون جدوى؛ فقد كان لهشام تأثير أقوى عليها. كانت هي وهشام كغريمان كل منهما يحاول أن يشد نورا نحوه. وحين طلب هشام أن يعقد قرانه على نورا ازداد غضب نادين وأرغمته على التأجيل المرة تلو الأخرى، فكانت أحيانا تدعي المرض، وأحيانا الظروف تواتيها دون إدعاء مرض، وذلك حين يموت أحد الأقارب حتى لو كان قريبا من بعيد، فتنتهزها فرصة نادين؛ وتعطي لنورا درسا في الواجبات والذوق، ومراعاة حزن الأقارب، وكيف لا يصح أن تفرح وهناك حالة حداد في العائلة، لكن هشام استطاع إقناع خالهما وخالتهما بعقد القران وتم رغما عن نادين التي ازداد كرهها له، وحقدها عليه. أدراك هشام بمرور الوقت أنه لاسبيل لإتمام الزيجة في وجود نادين أبدا، وازداد الصراع والخلافات بينه وبينها، وازدادت الأمور تعقيدا، حتى أن نورا بكت يوما أماهه وقالت له لن أستطيع أن اتخلى عن أختي لأجلك، إنها تكرهك؛ فأدرك هشام مدى خطورة نادين عليه وعلى تلك الزيجة التي كان يطمح لها؛ ليضاعف ثروته عدة أضعاف. قرر هشام بينه وبين نفسه التخلص من نادين، وبقي الجزء الأصعب، ألا وهو إقناع نورا بذلك، وضرورة تحقيقه بأقصى سرعة؛ ولتحقيق ذلك كان لابد من السيطرة على الجسد أيضا لا العقل وحده، وكان له ما أراد، وأصبحت نورا طوع أمره، وتجرأت وتشاجرت مع أختها أكثر من مرة بسببه، وبدأت تكره نادين بالفعل، وكأن عدوى كرهها انتقلت لها تلقائيا من هشام الذي أصبح هو المتحكم الوحيد فيها، عقلا وقلبًا وجسدًا، وأدرك أن اللحظة قد حانت ليقول لها صراحة أن عليهما التخلص من أختها بأقصى سرعة.

ولا يشترط عُمر معين - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • ولا يشترط عمر معين
  • أمنية معتز سالم
    11/11, 11:12am
    أمنية معتز سالم
    حانت اللحظة الحاسمة، رمقته بنظرة عميقة لتنتظر قراره الأخير. هل سيكمل مشواره معها كما اختار هو، أم سيرضي أمه ويتركها؛ لأنها في الثالثة والثلاثين، وهو في الخامسة والثلاثين لكن أمه تريد له زوجة في الخامسة والعشرين على الأكثر لتضمن أنها قادرة على الإنجاب كما قالت له، وهو في حيرة بين إرضاء أمه وبين إعجابه بها وبشخصيتها ومظهرها المحترم الذي لا يخلو من الجمال الرقيق الهاديء المريح للناظر. ونظر إليها في شجاعة وكأنه يستجمع كل قواه، وقال: لن أختار سواك، ووالدتي ستلين يوما ما، وإن أردتي أن نشتري الشبكة اليوم فلا مانع لدي، وطلبت هي تأجيل الأمر لليوم التالي لتصطحب والدتها معها. لم يكن والداها مرتاحان لعدم موافقة أمه، لكنهما وافقا حتى لا يكونا مصدرا لتعاستها. وبعد شراء الشبكة اتفق مع والديها على أن تكون الخطوبة في منزلهما عائلية بسيطة وبدون الكثير من المدعويين، وخلال الأسبوع حدثها مرتين فقط في الهاتف، ثم انقطع عن الاتصال، وكلما طلبته وجدت هاتفه مغلقا، حتى ابن خالتها، صديقه الذي تعرفت عليه عنده عندما كانت في زيارة له هو وزوجته، حتى ابن خالتها لم يكن يعرف أين هو، ولمَ اختفى فجأة بعد أن اشترى الشبكة وحدد ميعاد الخطبة. وقبل موعد الحفل بيومين حدثها ابن خالتها في الهاتف بصوت خجل وغاضب أيضا في ذات الحين وقال لها: اعتذري للناس، الندل لن يأتي، لقد خطب فتاة أخرى من اختيار أمه، والصور منشورة على مواقع التواصل، وتقريبا أهداها الشبكة التي اشتراها لك. بهتت هي ولم تصدق، كيف فعل ذلك؟ ولماذا لم يصارحها بأنه لن يستطيع أن يعصى أمه؟ لماذا اشترى لها الشبكة إذن؟ هل ليذهب بعد عدة أيام ويقدمها لأخرى؟ وبلغها أنه اتصل بابن خالتها بعد ذلك وطلب منه ان يعتذر لها بأنه خاف على أمه من الصدمة لو خطب رغم إرادتها. وطوت هي صفحته وانشغلت بعملها، إلى أن تفاجات بأحد زملائها يطلب يدها، وكان الأمر مفاجاة لأنه يصغرها بخمس سنوات، ولم تتوقع أن يفكر في الارتباط بها، إلا أنه أبدى عدم اهتمامه بفارق السن بينهما، وأكد لها أن أسرته تتفهم الأمر جيدا، وتحترم خياراته، فوافقت وهي قلقة خائفة من أن تتكرر التجربة الماضية مرة أخرى، ولكن ظنها لم يكن في محله. وتزوجت بزميلها الخلوق المحترم وعاشت معه ثلاث سنوات في سعادة وأنجبت طفلة جميلة، وانقطعت كل أخبار صديق ابن خالتها، حتى أن ابن خالتها نفسه قاطعه ولم يعد يراه أو يعرف عنه شيئا، وفي ذات صباح وهي تطالع إحدى الجرائد وقعت عيناها على اسمه في أحد إعلانات الزواج، ومكتوب تحته (مطلق لعدم الإنجاب يرغب في الارتباط بأرملة أو مطلقة ولا يشترط عمر معين)

حارس من العالم الآخر - قصة بقلم: امنية معتز سالم


  • حارس من العالم الآخر
  • أمنية معتز سالم
    11/10, 1:06pm
    أمنية معتز سالم
    جلست في الحديقة الغناء وسط الأشجار تتحدث مع علي عن العريس المتقدم لها، وبدأ يبدي رأيه ككل مرة يأتيها فيها عريس، وكالعادة ذكر لها كل عيوبه، ككل مرة علي يعرف عيوب العريس ويحذرها منها جيدا ويطلب منها أن تتريث، وكالعادة تسأل هي نفسها كيف عرفه وعرف كل هذا عنه؟ نصحها بأن تنتظر حتى يأتي من هو أهل لها، ووافقته ككل مرة دون أن تدري لماذا توافقه ولماذا تثق في كل ما يقوله عن العريس، لماذا صدقت بسرعة أن العريس متزوج من أخرى ويخفي عنهم خبر زواجه؟، وحين قالت لوالدها سبب الرفض سخر منها، وقال لها من أين عرفتي؟ هل تفتحين المندل أم تضربين الرمل؟ لقد سألت عنه بنفسي عدة مرات ولم أعرف عنه غير كل خير، وبعد عدة أيام جاء الأب يتحدث معها بلهجة هادئة ويؤكد لها أن ما قالته عن العريس اتضح أنه صحيحا، وسألها كيف عرفت تلك المعلومات، فأخبرته أن إحدى صديقاتها قريبة العريس من بعيد وأخبرتها بكل ذلك، لم يكن من المعقول أن تقول له أن علياً هو من أخبرها. وانشغلت في عملها ونحت التفكير في الزواج جانبا، فلا داعي للاستعجال وهي مازالت في الخامسة والعشرين، ولم تجد الشخص المناسب حتى الآن. وبعد عدة أشهر تقدم لها آخر، ولم ترتح له هذه المرة قبل حتى أن يخبرها علي برأيه، وحان وقت اللقاء بعلي وأخبرها السر الخطير هذه المرة أيضاً، فالعريس نصاب وسبق أن خطب أكثر من فتاة ونصب عليها، وهذه المرة وافقت علي الرفض دون تردد، ومضى عام كامل دون أن يتقدم لها عريس آخر، ووالديها بدأا يؤنباها على من سبق ورفضتهم ويؤكدون لها أنه من الصعب أن يتقدم آخرون في نفس المستوى. لكن فاجأها علي بمفاجأة سارة حين قال لها أنه سيتقدم لها عريس ممتاز هذه المرة، ولا غبار على أخلاقه، وأكد لها أنه يتشابه معه في الكثير من الصفات، فابتسمت طبعا وهدأت نفسها لأنها تعرف أخلاق علي جيدا، وتعلم أن أي فتاة لا تتمنى لنفسها سوى رجلا مثله، وبالفعل في اليوم التالي أتى إلى مكان عملها أحد العملاء، ولاحظت أنه كان ينظر إليها كثيرا، وحاولت أن تتجاهل نظراته لكنها كانت تلاحقها. وفي اليوم التالي أتي نفس الشخص إلى عملها أيضا لينهي المهمة التي أتى من أجلها بالأمس، وتابعها بنظراته كيوم أمس، وشعرت بضيق قليلا من هذه النظرات التي لاحظتها إحدى زميلاتها، وحين انتهى وقت العمل فوجئت به ينتظرها على باب الشركة وينادي في استحياء: يا آنسة يا آنسة، اسمحيلي بكلمة، فردت في غضب: اتفضل، وطلب منها أن يأتي للبيت ليخطبها ويتعرف على عائلتها، وابتسمت في حياء وشعرت أنه هو من حدثها عنه علي، وبالفعل سارت الأمور على ما يرام وتمت الخطبة في نطاق عائلي بسيط، وبدأ الاستعداد للفرح وهي سعيدة متفائلة مطمئنة. وبدأت تتصل بالأقارب والأصدقاء والمعارف لتدعوهم، ولم تنسى طبعا زملاء الجامعة، فاتصلت بمي صديقتها وزوجها إسلام، والاثنان كانا معها في الكلية، وطلبت أن تتحدث إلى إسلام للضرورة، وقالت: إسلام لي عندك طلب ضروري أتمنى أن تحققه لي قبل زفافي، أريدك أن تذهب معي إلى قبر علي كي نقرأ له الفاتحة.

لعنة نسرين - قصة بقلم: أمنية معتز سالم

  • لعنة نسرين
  • أمنية معتز سالم
    11/9, 11:18am
    أمنية معتز سالم
    بدأت الأعراض الغريبة تظهر عليه بعد وفاتها بعدة أيام. بعد وفاة نسرين أخته في حادث سيارة أليم وهي تعبر الطريق أمام المنزل، وكان هو واقفا في الشرفة يراقبها وهي تركض وتعبر الطريق بسرعة جنونية دون أن تلتفت إلى السيارات. كانت تهرب من بطشه وقسوته ومن ضربه المبرح لها ليجبرها على ان تتزوج العريس الذي اختاره لها. السكير الذي يتعاطى المخدرات. أراد أن يزوجها له لأنه ثري ولأن زوجته الحقودة أرادت أن تتخلص من نسرين بأي طريقة وتخرجها من البيت لتنفرد هي بالمنزل وتصبح سيدته وحدها، رغم أنه ليس منزل المحروس زوجها وحده بل منزله هو وأخته ورثاه عن أبيهما رحمه الله، وماتت أمه بعد والده بعامين وكانت نسرين لا تزال طالبة في المرحلة الثانوية وهو يكبرها بعشر سنوات. قرر أن يتزوج ويأتي بعروسه إلى منزل العائلة ولم لا وهو منزل فسيح، وأخته الصغيرة لن تعترض على ذلك، فهي فتاة صغيرة طيبة مغلوبة على أمرها تحب أخاها ولكنه لا يحب إلا نفسه فقط وزوجته المسيطرة. لكن الأمور لم تسر على ما يرام بين الزوجة والأخت، فالزوجة ليست جميلة ونسرين كانت رائعة الجمال، وكان ذلك منبعا أساسيا لحقد زوجته عليها، واختلاقها للمشاكل معها دون مبرر، وكان الأخ المحترم دائما ينصف زوجته على حساب أخته، حتى معاشها عن والدها كان يأخذه بالكامل بحجة أنه يطعمها وينفق عليها، وكان يعطيها منه مصروفا بسيطا، وإذا أرادت أن تشتري شيئا لنفسها فعليها أن تطلب منه ويعرض الأمر على زوجته وهي من تقرر نعم أم لا. سارت الأمور على هذا الحال إلى أن تخرجت نسرين في كلية الحقوق وأرادت أن تتمرن على المحاماة في مكتب محام قريب لهم، فازداد حقد الزوجة التي لم تكمل دراستها عليها، وصممت على أن تُزوجها لأول عريس ميسور الحال يتقدم لها، حتى تترك المنزل لها، وحتى لا تستمر في العمل. واستمر الأخ في ضغطه عليها تارة بالإقناع وتارة أخرى بالسباب والضرب، وطلبت منه زوجته أن يمنعها من العمل أو الخروج نهائيا، وكذلك لم يسمحوا لها باستخدام الهاتف حتى لا تشكو لخالها وتستنجد به من الظلم الذي يقع عليها. وفي غفلة من أخيها وزوجته قررت أن تترك المنزل وتذهب إلى بيت خالها، لكن أخاها استيقظ ورآها عند باب الشقة، فجحظت عيناه من الغضب وانهال عليها ضربا وصفعا، واستطاعت أن تفر من بين يديه ونزلت مسرعة وعبرت الشارع ركضا وحدثت الكارثة، وصدمتها سيارة مسرعة أردتها قتيلة في الحال، والأخ كان يرقبها من الشرفة في ذهول بعد أن سمع صوت صراخ المارة في الشارع، وكأنه لا يصدق ما حدث، وكأنه استيقظ فجأة من غفلته وأدرك ما فعله بأخته، وأدرك أنه هو قاتلها الحقيقي وليس قائد السيارة المسرعة، وفجأة اشتعلت عاصفة بداخله، عاصفة من الحزن والغضب من زوجته، والشعور بالذنب والندم على ما فعله بأخته، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينهال على زوجته بالصفعات، ثم أجهش بالبكاء.وكان يبكي طوال مراسم الجنازة والعزاء. ولم ينم إلا قليلا في الأسبوع الأول بعد الحادث. ثم بدأ العذاب الحقيقي، فكلما غفا رأى نفس الحلم المزعج، ورأى نسرين مخضبة بالدماء تحت عجلات السيارة، فيهب من نومه صارخا كطفل صغير أزعجه كابوس. واستمر الحال هكذا عدة أسابيع، وهو لا يستطيع النوم إلا قليلا، أو بمعنى أصح يخاف أن ينام حتى لا يرى الحلم المزعج، وتطور الأمر إلى درجة أصعب من ذلك، فبات لا يستطيع النظر إلى ابنته الصغيرة لأنها تشبه نسرين إلى حد كبير، فأصبح يهرب منها كلما رآها، وفي ذات صباح وهو ينظر في المرآة رأى نسرين أمامه ففر مذعورا من أمام المرآة، وتكرر الأمر حتى أنه أصبح يخاف أن يقوم بحلاقة ذقنه حتى لا يراها كلما نظر في المرآة، ثم أصبح يصرخ كلما رأى زوجته أمامه ويراها نسرين. حتى زميلاته في العمل كلهن نسرين، حتى الفتيات والنساء في الشارع جميعهن نسرين، وانقطع عن العمل في إجازة مرضية طويلة، واحتار أكثر من طبيب نفسي في علاجه دون جدوى، وأصبح يرى دماءً على الحوائط وعلى الأرض وعلى الفراش، فيصرخ مذعورا ويطلب من زوجته تنظيف المكان، وهي تصرخ فيه: لقد مللت منك.. لقد أصابني الجنون أنا الأخرى.. لم أعد أطيقك..، ولم يقتصر الأمر على رؤية نسرين وهي مضرجة بالدماء بل أصبحت تحدثه ويرد عليها، تلومه وتعاتبه وتؤنبه، وهو يصرخ مدافعا عن نفسه: لم أقتلك.. لم أقتلك.. لم أكن أعرف أن الأمر سيصل إلى هذا الحد.. أرجوكي دعيني.. اتركيني أنام.. لا أريد أن أراك.. وتضحك هي ضحكة عالية وتقول: ستراني طالما حييت.. لن أتركك لحظة واحدة..